شمسولوجي - منتدي طلبة طب عين شمس
السلام عليكم

نورتنا يا ....

لو هتتصفح المنتدي كزائر .. توجة للقسم اللي انت عايزة من المنتدي ...

للتسجيل .. اتفضل افعص علي زرار التسجيل ..

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

شمسولوجي - منتدي طلبة طب عين شمس
السلام عليكم

نورتنا يا ....

لو هتتصفح المنتدي كزائر .. توجة للقسم اللي انت عايزة من المنتدي ...

للتسجيل .. اتفضل افعص علي زرار التسجيل ..
شمسولوجي - منتدي طلبة طب عين شمس
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

قصة مكة

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:53 pm

شجرة النسب


نسبه

شجرة نسب الرسول عليه الصلاة والسلامهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدِّ بن عدنان. ولا خلاف أن (عدنان) ولد إسماعيل عليه السلام[1].


والداه

والده هو عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف؛ وكان عبد المطلب جدُّه لما رزقه الله بعشرة من الأبناء نذر أن يذبح أحدهم فداءً لله، فأقرع بينهم، فخرجت القرعة على عبد الله، وكان أحبَّ أولاده إليه، فمنعته قريش وأخواله من بني مخزوم، وتمَّ فداؤه بمائة من الإبل. ثم زوَّجه والده بعد ذلك من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهْرَة بن كِلاب، وهي من أفضل نساء قريش نسبًا وموضعًا.



وبعد فترة من زواجه خرج عبد الله تاجرًا إلى الشام، فمرض أثناء عودته، فنزل عند أخواله في المدينة، فتوفِّي ودُفن في دار النابغة الجعديّ، وكان عمره خمسًا وعشرين عامًا، قبل أن يولد الرسول ، كما توفيت والدته وهو في السادسة من عمره[2].




أعمامه وعماته

رُزِقَ عبد المطلب جدُّ النبي بعشرة من الولد؛ هم: العباس، وعبد الله، وحمزة، وأبو طالب، والزبير، والحارث، وحَجْل، وَالْمُقَوّم، وضِرار، وأبو لهب (اسمه عبد العُزَّى). وعلى هذا يكون للنبي تسعة أعمام، أدرك الإسلام منهم أربعة؛ وهم: أبو طالب وأبو لهب فظلاَّ على الكفر ولم يُسْلِمَا، بينما أسلم حمزة والعباس رضي الله عنهما. ورُزق عبد المطلب أيضًا بستِّ نسوة: صفيّة، وأم حكيم البيضاء، وعاتكة، وأميمة، وأروى، وبَرّة[3].



[1] ابن هشام: السيرة النبوية 1/1، وابن قيم الجوزية: زاد المعاد 1/71، والصالحي: سبل الهدى والرشاد 1/239، وابن كثير: السيرة النبوية 1/189.

[2] ابن هشام: السيرة النبوية 1/156، وابن الأثير: الكامل في التاريخ 1/361، 548، والطبري: تاريخ الأمم والملوك 1/458.

[3] ابن سيد الناس: عيون الأثر 2/369، والسهيلي: الروض الأنف 1/206-210، وابن هشام: السيرة النبوية 1/108-110، وابن كثير: السيرة النبوية 1/102، 103، 174، 184.
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:53 pm

كيف نبني خير أمة ؟

كيف نبني الأمة؟

هناك أمل كبير في إعادة البناء، بل إن هناك يقينًا في إعادة البناء، وستقوم الأمة من جديد، فهذا ما وعد الله به، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد، يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} [غافر: 51].



ولم يقتصر النصر على يوم القيامة فقط، بل في الحياة الدنيا أيضًا. يقول في الحديث الشريف: "إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا".



فسيبلغ ملك أمة المسلمين حتمًا مشارق الأرض ومغاربه، وهذا وعد الصادق المصدوق ، ولكن لا بُدَّ من أمرين في بناء الأمة:


الأمر الأول: يقين بتمكين الأمة

فلا بد من يقين كيقين الصحابة في غزوة الأحزاب، لقد تحزبت الأحزاب حول المدينة ما يقرب من عشرة آلاف، وهذا الرقم ضخم جدًّا في زمان الجزيرة العربية، وكان يريدون أن يطفئوا نور الله، يريدون إبادة المسلمين.



إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُكان الرجل من بني شيبان عند فخره يقول إننا نزيد على الألف، فهذا الرقم كان رقمًا ضخمًا بالنسبة للعرب، ولن يغلب ألف من قلة.



تخيَّل عشرة آلاف يحيطون بالمدينة المنورة إنها ضائقة شديدة جدًّا، والرسول في وسط هذه الضائقة يضرب بيده الحجر الذي استعصى على المسلمين، تناول المعول بيده فَقَالَ: "بِاسْمِ اللَّهِ. فَضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. وَضَرَبَ أُخْرَى، فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا. ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ. وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا".



كيف يكون رد المسلمين وهم يسمعون بشريات النبي وهم في هذه الضائقة؟ قال المؤمنون كما وصفهم الحق تبارك وتعالى: {وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22].



المسلمون في هذه الضائقة علموا أن نصر الله قريب؛ لأن نصر الله يأتي بعد اشتداد الأزمات.

أما المنافقون فلما رأوا الفجوة الواسعة بين إمكانيات المسلمين وإمكانيات الأحزاب، قالوا كما أخبر الحق تبارك وتعالى عنهم: {وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا} [الأحزاب: 12].



هكذا كان حال المنافقين في غزوة الأحزاب لما اعتمدوا في تقييمهم على حسابات ماديّة بحتة، ولم يقدروا لله قدره، لم يقدروا قوة الله ، ولم يقدروا عظمة الله ، فالمنافقون لا يؤمنون، أما المؤمنون الصادقون الذين يعلمون قدر الله فأيقنوا أن نصر الله قريب جدًّا؛ لأن الأزمة اشتدت.



وفي زماننا هذا اشتدت الأزمة، واستحكمت حلقاتها، والنصر آتٍ لا محالة ولا شك في ذلك إن شاء الله.


الأمر الثاني: أين دورك في بناء الأمة الإسلامية؟

كثيرًا ما ينتظر المسلمون مَنْ يأتي إليهم ليعيد لهم بناء الأمة الإسلامية من جديد، لكن أين دورك أنت الذي كلفك الله به لإعادة إعمار الأمة الإسلامية، أو لإعادة بنائه لترجع كما كانت في الصدارة وكما أراد الله لها {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. يقول الحق تبارك وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدَّثر: 38]، {أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}[النَّجم: 38].



فإن قصر الناس في أعمالهم، فلن يحاسبك الله إلا على تقصيرك أنت. هكذا وعد الله ، وهذا من عدله I.


منهجنا في بناء الأمة

أعزنا الله بالإسلامكل إنسان اليوم يريد بناء الأمة على طريقته وعلى منهجه، لذلك نجد من ينادي ببناء الأمة الإسلامية على أن تقوم على النظام الاشتراكي، ونظل في قيد الاشتراكية سنوات طويلة، وبعد مرور أعوام كثيرة نتبين أن هذا المنهج له أخطاء حتى إن بعض الدول كانت تطبق هذا النظام بعد فشله في الدول التي أحدثته!!



والبعض يقترح النظام الرأسمالي وحاله من حال الاشتراكية يطبق لسنوات طويلة وفي النهاية يتبين خطأ هذا النظام.



ونجد من ينادي بتطبيق القانون الفرنسي أو الإنجليزي أو غيره، ونظل نبحث عن مناهج لنرتقي بأمتنا في الشرق والغرب ونختلف ونتصارع. بالرغم من أن الرسول أرشدنا في مثل هذه الأمور وفي ظل الاختلاف والتصارع أن يكون لنا من نحكّمه عند اختلافنا، ففي الحديث الذي يرويه العرباض بن سارية يقول: "وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا بَعْدَ صَلاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّهَا ضَلالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ".



ومن هنا كانت دراسة حياة النبي ودراسة حياة الخلفاء الراشدين المهديِّين أمرًا حتميًّا لمن أراد أن يهتدي إلى الطريق الصحيح لبناء الأمة الإسلامية.



ولن نستطيع أن نبني هذه الأمة على غير منهج الرسول .



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty أهمية دراسة السيرة النبوية

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:54 pm

أهمية دراسة السيرة النبوية

أهمية السيرة النبوية

تمثّل السيرة النبوية العطرة أحد الكنوز العظيمة التي يجب الاستفادة منها، وتزداد أهمية دراسة السيرة إذا كان في حساباتنا أنها لا تتناول رجلاً عاديًّا، بل إنها دراسة لتاريخ أعظم مخلوق وُجد على ظهر هذه الأرض منذ آدم وإلى يوم القيامة.



إن السيرة النبوية تعتبر من أجلِّ العلوم وأفضلها بالنسبة للمسلم؛ فهي تدرس سيرة رجل هو أعظم رجل خلقه الله ، فقد وصفه رب العزة بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]. فإذا كانت دراسة السيرة مهمة في زمن من الأزمان فهي في زماننا أهم؛ لأن واقع الأمة الآن متأخر في كل المجالات؛ تأخر عسكري واقتصادي واجتماعي وأخلاقي.



ولا ريب أن الأمل معقود في الله لإعادة البناء، بَيْدَ أن النهوض يحتاج إلى أمرين مهمين: يقين بضرورة بناء الأمة من جديد، ودور عملي لكل منا؛ فاليقين أن نوقن في كلام رسول الله ، فقد بشَّر الصحابة في غزوة الخندق بفتوح الشام وفارس واليمن وغيرها، وألاَّ نعتمد اعتمادًا كُليًّا على الحسابات المادية، رغم أهميتها، فالأحزاب قد اعتمدوا على الجانب المادي لكنهم لم ينجحوا، وأن يكون لنا دور لإعادة إعمار الكون، قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].



عشنا طويلاً في ظل مجموعة من الأيديولوجيات والأفكار المختلفة التي تحكم المجتمع والدولة، وكلها باءت بالفشل مثل الاشتراكية والرأسمالية وغيرها، ندور حول هذه الأفكار متناسين سيرة نبينا وأصوليتنا الدينية التي أدارت المجتمعات الإسلامية القديمة بخلافاتها ودولها، ومع هذا فإننا لا ننادي باستقصاء كل وقعة وفعلة وحدث في السيرة؛ فهذا ضرب من المستحيل لكننا ننادي بدراسة الأحداث العظيمة والجليلة في هذه السيرة؛ فهي مما يتكرر يومًا بعد يوم، ندرس غزوة أُحد وبدر والخندق؛ لأن واقعنا قد وجد حدثًا مشابهًا وهو حرب أكتوبر 1973م، وهو -لا شك- من الأحداث التي يتم تحليلها منذ وقعت وحتى وقتنا الراهن.


مقدار السيرة في حياة المسلمين

نحن هنا لا ندرس سيرة رجل عادي يمشي على الأرض، أو عظيم من عظماء التاريخ وما أكثرهم، ولكننا ندرس سيرة رجل هو أعظم رجل خلقه الله منذ خلق آدم إلى يوم القيامة، أعظم رجل على الإطلاق.



النبي محمد قدوتنا صلى الله عليه وسلمفعادةً ما يتفوق الناس في مجال ويتأخرون في مجال آخر، لكن هذا الرجل تفوق في كل المجالات مطلقًا؛ تفوق في عبادته، في معاملاته، في شجاعته، في كرمه، في حلمه، في زهده، في تواضعه، في حكمته، في ذكائه، في كل شيء. فنحن ندرس سيرة الإنسان الذي خاطبه الله بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4].



فأي خُلُقٍ هذا الذي وصفه الله العظيم العليم I بأنه خلق عظيم!



هذا الرجل أقسم الله به فقال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72]. فهو رجل أقسم الله بحياته.



ندرس سيرة الرجل الذي لن يحاسب الله الخلائق يوم القيامة إلا عندما يشفع هذا الرجل للحساب، كل نبي لن يشفع حتى لأتباعه إلا بعد أن يشفع هذا الرجل.



ندرس سيرة الرجل الذي لن ندخل الجنة إلا خلفه، لن نُرْوى يوم القيامة إلا من يده ومن حوضه ومن نهره.



إن عرفنا سيرته ونهجه واتبعناه كانت النجاة في الدنيا والآخرة، وإن جهلنا طريقته أو خالفناه قيل لنا: سحقًا سحقًا.



نحن ندرس سيرة رسول الله الماحي الذي محا الله به الكفر، أول من يُبعث من الخلائق يوم القيامة، حامل لواء الحمد يوم القيامة صاحب المقام المحمود والحوض المورود يوم القيامة.



ندرس سيرة الرجل الذي فُتحت له أبواب السماء ليخترقها بجسده إلى ما بعدها، لما صعد مع جبريل في رحلة المعراج إلى السماء وطرق الباب، أجاب الملك: مَنْ؟ قال: جبريل. قال: فمن معك؟ قال: محمد. قال: أوَأُذِن له؟ قال: نعم. ففتح باب السماء ليدخل النبي إلى مكان لم يدخله بشر من قبل ذلك وهو حي.



الرجل الذي وصل إلى مكان لم يصل إليه بشر ولا ملك، حتى الملائكة لم تصل إلى المكان الذي وصل إليه محمد .



الرجل الذي شاهد الجنة والنار بعينه لا بعقله فقط.



نحن لا نقارن عظمة رسول الله بعظمة بوذا وكونفشيوس وهتلر ولينين وستالين كما فعل -مثلاً- صاحب كتاب "الخالدون مائة وأعظمهم محمد "، ويفرح الكثيرون بهذ الكتاب ظنًّا منهم أنهم أنصفوه، لكنهم ما أنصفوه إذ قارنوه بهؤلاء، نحن نقارن رسول الله بنوح وبإبراهيم وبموسى وعيسى عليهما السلام، وبكل أنبياء الله عليهم أجمعين الصلاة والتسليم.



نقارنه أيضًا بالملائكة أجمعين؛ بملك الأرزاق، بملك الجبال، بملك البحار، بحملة العرش، بل بجبريل ، بل هو أفضلهم جميعًا .



لما وصل الرسول إلى سدرة المنتهى ومعه جبريل لم يستطع روحُ القدسِ التقدم خطوة واحدة، وقال له: لو تقدمت خطوة واحدة لاحترقت. أما محمد فقد مكنّه الله من ذلك وتقدم ليقف عند سدرة المنتهى التي عندها جنة المأوى للقاء الله وكلمه بدون حجاب.



هذا الرجل له مقام عظيم خالد، وعلى قدر هذه العظمة يجب أن يكون اهتمامنا بسيرته، بل وبكل دقيقة مرت في حياته الشريفة .



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:55 pm

الحضارات العالمية قبل الإسلام

بداية قد نتساءل: لماذا الحديث عن الفترة السابقة للإسلام؟خريطة العالم



والإجابة: لأنك لن تدرك قيمة النور إلا إذا عرفت الظلام، وفي هذا المجال تكفينا الإشارة إلى حديث رسول الله r الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي t، والذي يوضح حال الأرض قبل بعثته r "إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلى أَهْلِ الأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ". فقد وصل حال الناس إلى درجة من الانحطاط جلبت عليهم مقت الله I، والمقت هو شدة الكراهية.



واستخدام الرسول r للتعبير بكلمة (بقايا) يوحي بالأثرية، أي كأنهم آثار من عهود سحيقة لا قيمة لها في واقع الناس، ومن جانب آخر فإنّ هذه البقايا لم تشكل مجتمعات كاملة، بل كانت أفرادًا معدودين: رجلاً في مدينة ما، وآخر في مدينة ثانية تبعد عن الأولى مئات الأميال، وهكذا.



إذن، تعالَوْا نخترق حدود الزمان والمكان:



- نخترق حدود الزمان لنصل إلى ما قبل بعثة رسول الله r.



- ونخترق حدود المكان لنصل إلى كل بقعة على الأرض كانت تعاصر رسول الله r، ونتجول بين الشرق والغرب لنطالع أحوال الناس والملوك، والأخلاق والطباع، ونكتشف حقيقة ما سمِّي بالحضارات في ذلك الزمن.


الحضارة الرومانية قبل الإسلام

الدولة الرومية دولة مترامية الأطراف، كانت تشغل ثلاثة أرباع قارة أوربا تقريبًا، وقد أنزل الله U سورة في القرآن تبدأ بذكر هزيمة الروم من الفرس ثم انتصارهم عليهم، وسماها سورة الروم، هذه الإمبراطورية الضخمة كانت منقسمة إلى قسميْن رئيسيين:



* الدولة الروميّة الغربيّة وعاصمتها (روما) وكانت قد سقطت.



* الدولة الرومانيّة الشرقيّة وعاصمتها (القسطنطينيّة)، وهي التي حملت لواء النصرانية في العالم وقتها، وكان ملكها هو القيصر هرقل (والقيصر لقب لإمبراطور القسطنطينية).


(أ) الحالة الدينية

- مزقت الخلافات العقائدية بين طوائف النصارى أواصر هذه الدولة، فقد كانت خلافاتهم بشعة، فالخلاف بين المذهب الأرثوذكسي والكنيسة الشرقية من ناحية، والمذهب الكاثوليكي والكنيسة الغربية من ناحية أخرى كان خلافًا حادًّا أسفر عن حروب مدمرة قتل فيها عشرات الآلاف.



بل في داخل الدولة الرومانية الأرثوذكسية الشرقية ذاتها اشتعلت الخلافات العقيمة بين طائفة الملكانية -وهم على مذهب الملك- التي تعتقد بازدواجية طبيعة المسيح، أي أنّ له طبيعتين: بشرية وإلهية. وطائفة المنوفيسية -وهم أهل مصر والحبشة- التي تعتقد بطبيعة إلهية واحدة للمسيح، وكانت طائفة الملكانية تقوم بتعذيب للطائفة الأخرى تعذيبًا بشعًا، فيحرقونهم أحيانًا، ويغرقونهم أحيانًا أخرى، مع أنهم جميعًا أبناء مذهب واحد هو الأرثوذكسية.



وهذه الخلافات العقائدية ما زالت مستعرةً حتى الآن، فكل طائفة قد يختلف كتابها المقدس عن الأخرى في أجزاء، كما أن لكل طائفة كنائسها التي لا تسمح لأبناء الطائفة الأخرى بالصلاة فيها، ولهذا كله كان الفتح الإسلامي لمصر يشكل لأقباطها خلاصًا من اضطهاد وتعذيب الدولة الرومانية لهم، فقد رحمهم المسلمون من هذا الاضطهاد وتركوا من شاء منهم على دينه.



- البابا في إيطاليا كان الناس يسجدون له، ويقبلون قدمه حتى يأذن لهم بالقيام، كما في المسالك والممالك للبكري رحمه الله.


(ب) الحالة الأخلاقية

- أصيبت الدولة الرومانية بانحلال خلقي عظيم، نتج عن تأخر سن الزواج بسبب تركز الثروات الضخمة في أيدي قلّة قليلة من أولي النفوذ، بينما يعيش الشعب في فقر شديد، فلم يعد الشباب يملك ما يتزوج به، فانصرف إلى الزنا، والعلاقات المشبوهة، وفضل العزوبة على الزواج.



- أصبحت الرشوة أصلاً في التعامل مع موظفي الدولة، لإنجاز أي عمل أو الحصول على أي حق.



- الوحشية في الطباع: وقد تمثل ذلك في لهوهم، وفي حروبهم على السواء:



ففي اللهو كان من وسائل التسلية لديهم: صراع العبيد مع الوحوش المفترسة في أقفاص مغلقة، بينما يستمتع الأمراء والوزراء بمشاهدة الوحوش وهي تفترس العبيد.



وفي حروبهم: كانوا يتعاملون مع عدوهم بهمجية ووحشية؛ فعلى سبيل المثال: في عهد الإمبراطور (فسبسيان)، حاصر الرومان اليهود في القدس -وكان اليهود يسمونها أورشليم- لمدة خمسة أشهر، انتهت في سبتمبر سنة (70) ميلادية، ثم سقطت المدينة في أشد هزيمة مهينة عرفها التاريخ. لماذا نسميها مهينة؟



لأن الرومان أمروا اليهود أن يقتلوا أبناءهم ونساءهم بأيديهم، وقد استجاب اليهود لهم من شدة الرعب، وطمعًا في النجاة فهم أحرص الناس على حياة ولو كانت حياة ذليلة مهينة، ثم بدأ الرومان يجرون القرعة بين كل يهوديين، ومن يفوز بالقرعة يقوم بقتل صاحبه، حتى أبيد اليهود في القدس عن آخرهم، وسقطت دولتهم، ولم ينجُ منهم سوى الشريد وأولئك الذين كانوا يسكنون في أماكن بعيدة.


(ج) الحالة الاجتماعية

- فرضت الدولة الضرائب الباهظة على كل السكان البلاد، وكان أكثرها وأثقلها على الفقراء دون الأغنياء.



- كان المجتمع الروماني ينقسم إلى أحرار وهم السادة، وعبيد وهم ثلاثة أضعاف الأحرار من حيث العدد، ولا يتمتعون بأية حقوق بل مصيرهم في أيدي سادتهم، كما أنهم ليس لهم أي احترام وسط المجتمع، لدرجة أن الفيلسوف (أفلاطون) صاحب فكرة المدينة الفاضلة (يوتوبيا) كان يرى أنه يجب ألا يعطى العبيد حق المواطنة.


الحضارة الفارسية قبل الإسلام

كان الوضع في تلك الدولة يمثل مأساة حضارية بكل المقاييس في كل الجوانب الأخلاقيّة، والاجتماعيّة، والدينيّة على السواء


(أ) الحالة الأخلاقيّة

- انتشر الانحلال الأخلاقي، حتى سقط الفرس في مستنقع زواج المحارم فـ (كسرى يزدجرد الثاني) كان متزوجًا من ابنته ثمّ قتلها، وتزوج (بهرام جوبين) بأخته، ومنهم من تزوج أمه، ولم يكن هذا الداء منتشرًا في الأمم في ذلك العصر، بل كان مستقبحًا، وكانت كل المجتمعات تستنكر على الفرس نكاحهم المحارم.



- في عهد (قباذ) ظهر رجل يذكر في الفلاسفة، بينما هو في الواقع مصيبة وكارثة ضربت الفرس في مقتل، فقد قال: إنّ الناس سواسية في كل شيء. وهذه الكلمة ظاهرها طيب، ولكنّ باطنها خبيث، فهو لم يدعُ إلى المساواة في الحقوق والواجبات، والمعاملات والاحترام، بل دعا إلى اشتراك الناس في المال والنساء، أي هم متساوون في ملكية هذين الشيئين، فهي في حقيقتها دعوة شيوعية خبيثة.



فأصبح الرجل القويُّ يدخل على الرجل الضعيف بيته، فيغلبه على ماله وزوجته، والضعيف لا يستطيع أن يعترض، فقد صارت الشيوعية دينًا لهم، وليس هناك احترام للملكية الخاصة، فامتنع الناس عن العمل، لعدم استفادتهم بما يكسبونه من أجر، وعمّت السرقات التي صارت الطريق الأسهل للحصول على المال، وباركها (كسرى قباذ) الذي كان يرى ذلك دينًا، وفسد الناس كلهم أجمعون.



قارن هذا الموقف بموقف رسول الله r الذي يقول: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا".


(ب) الحالة الاجتماعية

- تقديس الأكاسرة: فقد كانوا يعتقدون أن الأكاسرة تجري بعروقهم دماء إلهية، وأنهم فوق البشر، وفوق القانون، فكانوا يعظمونهم؛ فكان الرجل إذا دخل على كسرى ارتمى ساجدًا على الأرض، فلا يقوم حتى يؤذن له.



- كانوا يقفون أمام كسرى حسب طبقاتهم، فأقرب الناس إليه هم طبقة الكهَّان، والأمراء والوزراء، وهؤلاء يقفون على مسافة خمسة أمتارٍ منه، ومن هم أقل منهم فكانوا يقفون على مسافة عشرة أمتار من كسرى.



- كانوا يضعون على أفواههم غلالة من القماش الأبيض الرقيق إذا دخلوا على كسرى حتى لا يلوثوا الحضرة الملكية بأنفاسهم.



يفعلون ذلك بينما كان رسول الله r إذا استقبله رجل فصافحه لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه، ولم يُرَ مقدمًا ركبتيه بين يدي جليس له (أي يتواضع لجليسه فلا يمد رجله أمامه). روى ذلك الترمذي وابن ماجه عن أنس t.



- كانت مكانة الإنسان في المجتمع الفارسي تخضع لنظام شديد الطبقية، وفيه مهانة كبيرة للإنسانية فكان المجتمع مقسمًا إلى سبع طبقات:



* طبقة الأكاسرة: وهي أعلى الطبقات وأرقاها.



* طبقة الأشراف: وهي سبع عائلات لا يتخطاها الشرف إلى غيرها.



* طبقة رجال الدين.



* طبقة قوّاد الجيش ورجال الحرب.



* طبقة المثقفين: من الكُتّاب والأطباء والشعراء (لذا ليس مستغربًا أن يعمَّ الجهل، وتنتشر الخرافات في المجتمع، طالما أن أهل العلم في المؤخرة).



* طبقة الدهاقين: وهم رؤساء القرى، وجامعو الضرائب.



* عامة الشعب: وهم أكثر من 90% من مجموع سكان فارس من العمال والفلاحين، والتجار والجنود والعبيد، وهؤلاء ليس لهم حقوق بالمرة، لدرجة أنهم كانوا يربطون في المعارك بالسلاسل؛ ففي موقعة (الأُبلَّة) أولى المواقع الإسلامية في فارس بقيادة خالد بن الوليد t، كان الفُرس يربطون ستين ألفًا من الجنود بالسلاسل كي لا يهربوا، كل سلسلة تضم عشرة جنود، كيف يستطيع هؤلاء في سلاسلهم أن يحاربوا قومًا وصفهم خالد بن الوليد t في رسالته إلى زعيم الأبلة بقوله: "جئتكم برجال يحبون الموت، كما تحبون أنتم الحياة".


(ج) الحالة السياسية

كان الملك في فارس مقتصرًا على بيت واحد فقط هو البيت الساساني، فإذا لم يجدوا رجلاً يولونه عليهم من آل ساسان، ولوا أمرهم طفلاً صغيرًا كما فعلوا مع (أزدشير بن شيرويه) سبع سنوات، وإن لم يجدوا طفلاً ولّوا أمرهم امرأة كما حدث مع (بوران بنت كسرى).


(د) الحالة الدينية

- كانت الديانة السائدة في فارس هي عبادة النار، وهي ديانة (زرادشت)، وهو الذي دعا إلى تقديس النار، وقال: إنّ نور الإله يسطع في كل ما هو مشرق ملتهب، وحرّم الأعمال التي تتطلب نارًا، فاكتفى بالزراعة والتجارة فقط (وقد عدّه صاحب كتاب "الخالدون مائة وأعظمهم محمد r" من الخالدين، فجعله في المرتبة التاسعة والثمانين)؛ لأن ديانته محلية بينما ديانة رسول الله r، وديانة المسيح u عالمية، وفي الحقيقة هذا ميزان قبيح؛ لأنه يجمع الأنبياء العظام الموحى إليهم مع كذَّاب وضّاع، ألّف دينًا، وخرج به على الناس.



ولمّا كانت النار لا توحي إلى عبادها بشريعة، ولا تضع لهم منهاجًا، فقد شرع الناس لأنفسهم حسبما تريد أهواؤهم، وعمَّ الفساد كل شيء في فارس.



يذكر المؤرخ الفرنسي (رينو) حال أوربا قبل الإسلام، فيقول: طفحت أوربا في ذلك الزمان بالعيوب والآثام، وهربت من النظافة والعناية بالإنسان والمكان، وزخرت بالجهل والفوضى والتأخر، وشيوع الظلم والاضطهاد، وفشت فيها الأمية.



فقد عَمَّ الجهل حتى صار مَدعاةً للفخار فكان الأمراء يفتخرون بأنهم لا يستطيعون القراءة (قارن هذا بدين كانت أولى كلماته: اقرأ)، ويكمل (رينو) عن أوربا أنها كانت مسرحًا للحروب والأعمال الوحشية.



ويقول (جوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب): لم يبد في أوربا بعض الميل إلى العلم إلا في القرنين الحادي عشر والثاني عشر من الميلاد (يعني القرنين الرابع والخامس الهجريين)، وذلك حين ظهر فيهم أناس أرادوا أن يرفعوا أكفان الجهل، فولوا وجوههم شطر المسلمين الذين كانوا أئمة وحدهم.



ويصف مؤرخ أندلسي اسمه (صاعد) (توفي في القرن الخامس الهجري عام 462هـ في طليطلة) ألف كتاب (طبقات الأمم) يذكر فيه أحوال البلاد في زمانه، فيصف فيه حال البلاد الشمالية في أوربا (أي إسكندنافيا): الدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا، قال: هم أشبه بالبهائم منهم بالناس، وقد يكون ذلك من إفراط بُعد الشمس عن رءوسهم، فصارت لذلك أمزجتهم باردة، وأخلاقهم فجة رديئة، وقد انسدلت شعورهم على وجوههم، وعدموا دقة الأفهام، وغلب عليهم الجهل والبلادة وفشت فيهم الغباوة.



وهذا هو الرَّحَّالةُّ الأندلسي (إبراهيم الطرطوشي) يصف أهل (جليقية) في شمال إسبانيا بأنهم أهل غدر ودناءة أخلاق، لا يتنظفون ولا يغتسلون في العام إلا مرةً أو مرتين بالماء البارد، ولا يغسلون ثيابهم منذ يلبسونها إلى أن تنقطع عليهم، ويزعمون أن الوسخ الذي يعلوهم من عرقهم تصحُّ به أبدانهم (ولست أدري كيف كانوا يتحملون رائحة أنفسهم ومن حولهم) وثيابهم أضيق الثياب، هي فرجة مُفَتَّحةُ، يبدو منها أكثر أبدانهم.



قارن بين هذا وبين دين يأمر بالوضوء خمس مرات في اليوم، وبالاغتسال من الجِنَابة، ويوم الجمعة، وفي الأعياد، ويأمر باجتناب صلاة الجماعة، وهي من أشرف العبادات إذا كنت آكلاً لبصلٍ أو ثومٍ.



ويصف البكري صاحب المسالك والممالك (توفي عام 487هـ) حال الروس، فيقول: "فيها منطقة تسمى أوثان لهم ملك (منطقة كبيرة) لا أحد يعلم عن حالها من الداخل شيئًا؛ لأن كل من وطئ أرضهم من الغرباء قتل".



قارن هذا مع دين الإسلام الذي جاء في هذه الفترة يقول للمؤمنين به: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6].



ويخبرنا أيضًا عن بعض أصناف الصقالبة سكان المناطق الشمالية في أوربا، فيقول: لهم أفعال مثل أفعال الهند، فيحرقون الميت عند موته، وتأتي نساء الميت يقطعن أيديهن ووجوههن بالسكاكين، وبعض النساء المحبات لأزواجهن يشنقن أنفسهن على الملأ، ثم تُحرق الجثة بعد الموت، وتوضع مع الميت.



ويروي ابن فضلان الرَّحَّالة المسلم في القرن الرابع الهجري ما شاهده بنفسه من موت أحد السادة في أوربا، فجاءوا بجاريته لتموت معه، فشربت الخمر ورقصت، وقامت بطقوس معينة، ثم قيدوها بالحبال من رقبتها، ثم أقبلت امرأة عجوز يسمونها: ملك الموت، وبيدها خنجر كبير، ثم أخذت تطعنها في صدرها بين الضلوع في أكثر من موضع، والرجال يخنقونها بالحبل حتى ماتت، ثم أحرقوها، ووضعوها مع سيدها الميت، وهم بهذا يظنون أنهم يوفون السيد حقه من التكريم.



قارن هذا مع ما جاء به الإسلام عن الرقيق، حتى تعرف دينك: جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة t أنّ الرسول r قال: "مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهَ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ أَنْ يَعْتِقَهُ".



وسواءٌ كان هذا الأمر بالعتق على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، فهذه هي نظرة الإسلام السامية لمعاملة الرقيق، وحتى في الحديث عنهم يراعي الإسلام مشاعرهم، جاء في صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة t قال: قال رسول الله r: "لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلامِي وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي".


الحضارة المصرية قبل الإسلام

الحضارة المصرية قبل الإسلاملقد كانت مصر محتلةً من الرومان منذ هزيمة (كليوباترا) على يد (أوكتافيوس) سنة 31 قبل الميلاد، وكان الاحتلال من قبل الدولة الرومانية الغربية في عهد (أوغسطس قيصر)، وعندما سقطت الدولة الرومانية الغربية سنة 476 ميلادية (أي قبل ميلاد الرسول r بحوالي مائة عام) آلت أملاك الدولة الرومانية الغربية إلى الدولة الرومانية الشرقية.


فماذا كان الرومان من الغربيين ثمّ الشرقيين يفعلون في أهل مصر؟

- تحولت مصر إلى مخزن يُمد الإمبراطورية الرومانية باحتياجاتها من الغذاء.



- حدث تدهور شديد في مصر اقتصاديًّا وعلميًّا واجتماعيًّا.



- فقد المصريون السلطة بكاملها في بلادهم، وإن كان الرومان قد حرصوا على أن يتركوا بعض الرموز المصرية كصورة فقط، وذلك لتجنب ثورة الشعب.



- تمّ فرض الضرائب الباهظة جدًّا بمختلف أنواعها على الشعب المعدم، فمنها:



* ضرائب عامة على الشعب.



* ضرائب على الصناعات.



* ضرائب على الأراضي.



* ضرائب على الماشية.



* ضرائب على المبيعات.



* ضرائب على أثاث المنازل.



* ضرائب على المارة من أجل عبور المصري من مكان إلى مكان.



* وتجاوزت الضرائب الأحياء -في سابقة تاريخية- إلى الأموات، فلم يكن يسمح بدفن الميت إلا بعد دفع ضريبة معينة (مثل ضريبة التركات، وكأنه لا يكفيهم مصيبة الموت).



- وفوق كل ذلك الضغط المادي كان التعذيب لأجل المخالفة في المعتقد الديني المذهبي، وإن كان الجميع -كما ذكرنا- تحت مظلة النصرانية الأرثوذكسية.


حضارة الصين قبل الإسلام

حضارة الصين قبل الإسلاموجد في الصين ثلاث ديانات، هي:



1- ديانة لاتسو: وقد وضع (لاتسو) هذا ديانة سلبية وغير عملية، فهي تدعو إلى البعد الكامل عن النساء، والزهد الكامل في الدنيا، والانعزال الكامل عن المجتمع.



2- ديانة كونفوشيوس: ويعدونه من كبار الفلاسفة والحكماء الصينين، وديانته مادية بحتة، حيث تعني بقوانين وقواعد وتجارب، وتشير إلى أن الحياة بصفة عامة شيء بائس، أما من ناحية العبادة فلك أن تعبد ما تشاء: شجرًا، أو نهرًا، أو أيًّا ما كان.



3- ديانة بوذا: وبوذا معدود أيضًا من كبار الفلاسفة والحكماء، وشريعته الوضعية تدعو إلى تعاليم أخلاقية معينة، ولكنها -أيضًا- تدعو إلى الانعزال عن المجتمع، والزهد في الحياة، وقد تحول بوذا مع مرور الوقت من حكيم ومشرّع وضعيٍّ إلى معبود لبعض أهل الصين، وصنعت له التماثيل، وظل يعبد على مدار السنين حتى الآن.



- هؤلاء الثلاثة وضعهم مؤلف كتاب (الخالدون مائة وأعظمهم محمد r) من القائمة، فجعل كونفوشيوس السادس، وبوذا الخامس، بل إنه لم يتردد أن يقول في وقاحة شديدة: إنّ بوذا يستحق أن يتصدر قائمة الخالدين، ويسبق محمدًا r، وعيسى u لولا أن أتباع (بوذا) الآن أقل من أتباع رسول الله r، وعيسى u. وهذا منطق معوج لا يستقيم مع الفكر السليم، ولا مع منهج الكاتب الذي اختطه لنفسه في كتابه، وهو أن يصنف الخالدين بحسب تأثيرهم في حركة التاريخ وفي مجتمعاتهم، وليس الإيمان بشريعة تدعو إلى الانعزال عن المجتمع مما يغير في حركة الحياة، على عكس ما فعله رسول الله r من تقويم لحركة التاريخ، وتصحيح لمسار أمم بأكملها، ورغم ذلك ما زال منا من يعتقد أنّ هذا الكتاب منصف في حق رسول الإسلام r.


حضارة الهند قبل الإسلام

حضارة الهند قبل الإسلامتميزت الهند بعدة ظواهر، منها:



1- كثرة المعبودات والآلهة، فكل شيء من الممكن أن يعبد في الهند، فهناك تماثيل لكل شيء، قد يعبدون الأشخاص، والجبال، والأنهار كنهر الكنج الذي يقدسونه، ويعبدون المعادن، ومن أشهر المعادن التي عبدوه: الذهب والفضة، ويعبدون آلات الحرب كالسيف والدّرع، ومنهم من يعبد آلات الكتابة كالقلم والأوراق، وكذلك الأجرام الفلكية، والحيوانات وأكثر حيوان عُبد وعظم في الهند هو البقرة وما زالت إلى الآن، ومن المؤسف أن تجد من الهنود علماء في الكمبيوتر والذرة يعبدون بقرة.



وقد عبد الهنود حيوانات كثيرة، حتى إنّ بلادهم أصيبت ذات مرة بمجاعة شديدة نتيجة التهام الفئران التي يعبدونها للمزروعات والمحاصيل.



2- الشهوة الجنسية الجامحة: فهم يدَّعون تزاوج الآلهة، كما عبدوا أعضاء التناسل، وتوَّجوا ذلك بارتكاب الكهنة لأبشع الفواحش في معابدهم، وكانوا يعتبرون هذه الفواحش من الدين، أي أنهم كانوا يتقربون لآلهتهم بارتكاب هذه الفواحش.



3- الطبقيّة البشعة: قسّم الهنود المجتمع أربع طبقات هي:



* طبقة البراهمة: وهم الكهنة والحكام.



* طبقة شترى: وهم رجال الحرب.



* طبقة ويش: وهم التجار والزرّاع.



* طبقة شودر: وهم المنبوذون: وهم بحسب التقسيم أحط من البهائم، وأذل من الكلاب، ويصرح القانون بأنه من سعادة شودر أن يقوموا بخدمة البراهمة دون أجر.



قارن هذا بما رواه ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله r قال: "أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ".



كما أن ليس لطبقة شودر أن يقتنوا مالاً، فإن ذلك يؤذي البراهمة، وإذا همّ شودري أن يضرب برهمي قطعت يده، وإذا همّ بالجلوس إليه كُوِي استه بالنار، ونُفي خارج البلاد، وإذا سبّه اقْتُلع لسانه، وإذا ادعى أنه يعلمه شيئًا سُقي زيتًا مغليًّا، وكفّارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والبومة مثل كفارة قتل الشودر سواء بسواء.



والأنكى من ذلك أنّ من كان في طبقة من الطبقات لا يستطيع أن يرتقي للطبقة الأعلى، مهما اكتسب من علم أو مال أو جاه.


المرأة في المجتمع الهندي:

كانت المرأة -أحيانًا- يكون لها أكثر من زوج، وهي في منزلة الأمة حتى لو كانت زوجة لشريف. وكان الرجل إذا قامر فخسر ماله، يقامر على امرأته وقد يخسرها فيأخذها الفائز، ويجب أن تقارن هذا بكلام رسول الله r: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"، "النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ"، "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ".



- وكان من عادة الهنود أن يحرقوا الزوجة مع زوجها عندما يموت ويدفنوها معه، وإذا لم تفعل المرأة ذلك تبقى أمَةً في بيت زوجها الميت، وتصبح عُرضَةً للإهانات والتجريح كل يوم إلى أن تموت.


اليهود قبل الإسلام

عاش اليهود مضطهدين في آسيا وأوربا وكل مكان وقد تركزوا بالشام في هذا الوقت، ولم يكن لأحدٍ من الناس بمعاشرتهم طاقة.



فهم في لحظات الضعف يبدون الخنوع والنفاق والدّس والوقيعة والكيد والكذب، وفي لحظات القوة يبدون التجبر والتكبر والظلم والوحشية والرِّبا.



ففي سنة (610) ميلادية، انتصر الفرس على الروم {غُلِبَتِ الرُّومُ} [الرُّوم: 2]، فانقلب اليهود على نصارى الشام، وقد ضعفت جيوش الروم هناك، فخرَّبوا الكنائس، وقتلوا الرهبان، وظهرت لهم شوكة وتكبر لعدة سنوات.



ثم انتصر الروم على الفرس {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الرُّوم: 3]، فذهب اليهود إلى هرقل، وتذلّلوا له، وأظهروا الانصياع الكامل له، والتبعية لحكومته، فقبل منهم، وأعطاهم العهد بالأمان، ولكن أتى رهبان الشام، فذكروا لهرقل ما فعله اليهود وقت هزيمة الروم، فغضب هرقل وأراد معاقبة اليهود، ولكن منعه العهد الذي أعطاه إياهم، فجاء رهبان النصارى وقالوا لهرقل: لا عليك من العهد، اقتلهم وسنصوم عنك جمعة كل سنةٍ أبد الدّهر.



وهؤلاء هم رفقاء السوء، وبطانة السوء، فقبل هرقل وعذب اليهود عذابًا شديدًا حتى لم يفلت إلا الذي هرب من الشام.



فقد كان العداء واضحًا وشديدًا بين اليهود والنصارى منذ ادعى النصارى أنَّ اليهود صلبوا السيد المسيح u وقتلوه {وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ} [النساء: 157]، حتى إن النصارى في عهدهم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t عند فتح القدس سنة 16هـ اشترطوا ألاّ يعيش في القدس يهودي، لا يبقى فيها يومًا وليلة، وقد أعطاهم الفاروق عمر العهد بذلك.



ولكن -سبحان الله- اتفق الآن اليهود مع الأمريكان والإنجليز والفرنسيين وغيرهم، لماذا؟ لأن معركتهم واحدة، وهي المعركة ضد الإسلام.



تمركز اليهود في زمان رسول الله r في شمال المدينة المنورة، وكانوا -كعادتهم- قومًا غلاظ الطباع، قساة القلوب، منحرفي الأخلاق، يعيشون على الرِّبا، وإشعال الفتن، والتكسب من بيع السلاح، وعلى إيقاع السادة في الفضائح الأخلاقية وتهديدهم بها، وعلى السيطرة على الجهال بكتبهم المحرفة وأفكارهم الضالة.


الحبشة (أثيوبيا) قبل الإسلام

كان أهل الحبشة على النصرانية المحرفة، وكانوا يتبعون الكرسيّ البابويّ الإسكندريّ في الدين (المنوفيسية)، فيعتقدون أنّ المسيح هو الله أو هو ابن الله وليس له طبيعة بشرية. وكانت حياتهم بدائية إلى حد كبير، وإن كان لديهم قوة وجيش وسلاح. وفي زمان رسول الله r وبعد البعثة كان يحكمهم رجل لا يظلم عنده أحد وهو النجاشي أصحمة، والنجاشي لقب وليس اسمًا كما يلقب ملك الفرس بكسرى وملك الروم بقيصر وملك مصر بفرعون.


الأمريكتان قبل الإسلام

كانت الأمريكتان تعيشان في ذلك الوقت مرحلة طفولة حضارية في حياة بدائية تمامًا، وقد شاهدت آثار السكان الأصليين لأمريكا الذين يطلق عليهم الهنود الحمر وهي آثار بدائية للغاية، وظلت كذلك حتى جاء الأوربيون من المجرمين والأفاكين وأبادوا الملايين من السكان الأصليين، وأقاموا على أشلاء جثثهم الحضارة الأمريكية المعاصرة.
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:56 pm

الوضع الثقافي في الجزيرة العربية


لماذا مكة؟

تحدثنا عن الزمان الذي بعث فيه رسول الله ، والآن نتحدث عن المكان الذي بُعث فيه .



لماذا مكة؟ هذا هو السؤال الذي نبدأ به، لماذا لم يُبْعث الرسول في فارس أو الروم أو في فلسطين ككثير من الأنبياء؟ أو في مصر كسيدنا موسى ؟



مكة مهبط الرسالاتلماذا ينزل الوحي في مكة، وتجري أحداث قصة الرسول في المدينة والجزيرة والطائف وغيرها؟



ليس هناك نقطة واحدة في حياة الرسول عشوائية، بل كل نقطة بحساب، فإن الرسول سيصير قدوة لكل المسلمين؛ لذا لا بد أن تكون كل خطوة في حياته محسوبة بدقة.



إذن كان الوضع في جزيرة العرب هو الوضع المناسب لقيام الدعوة الإسلاميّة.



من الواضح أن التجربة الإسلاميّة الأولى كانت تجربة ناجحة تمامًا، ومن الواضح - أيضًا - أن البيئة التي نشأت فيها الرسالة، وخطت فيها خطواتها الأولى كانت بيئة صالحة؛ لأننا رأينا الإسلام ينتشر بسرعة عجيبة وبثبات أعجب، ففي غضون سنوات قليلة لا تحسب في التاريخ بشيء وصل الإسلام من أقصى الأرض إلى أقصاها.



ليس هذا فقط، بل دخل الناس في دين الله أفواجًا، راغبين غير مكرهين، مختارين غير مجبرين.



نريد أن ندرس هذا السؤال لنعلم المقومات التي أنجحت هذه الرسالة. نعم إن الرسالة من الممكن أن تحقق نجاحًا ذاتيًّا، لأنها عظيمة في ذاتها، وتصلح لكل زمان ومكان، ولكن من منظور هذه السطور نحن نقول: كيف نبني أمة؟ وأول البناء وضع الأساس.



نريد أن نعرف لماذا اختار الله هذه الرقعة من الأرض لوضع الأساس لهذا المشروع الناجح (الإسلام)؟ ما مواصفات هذا المكان؟ ما ظروفه؟ ما طبيعته؟ فإذا عرفنا ذلك فإننا قد نستطيع أن نستخرج قواعد في غاية الأهمية لإعادة بناء الأمة الإسلاميّة على أساس صحيح، وسندرك بعدها أي بيئة ستكون أصلح لنشأة هذا الدين وتمكينه.



ونحن ندرك أنّ الحكمة الكاملة وراء اختيار المكان لا يعلمها إلا الله ، ولكننا في المقالات التالية سنبحث قدر الاستطاعة، ونسأل الله التوفيق.


إيمان أهل مكة بالله

لعل من الحكمة من وراء نزول الرسالة في هذا المكان أنّ أهل هذه البقعة من الأرض كانوا يؤمنون بالله I، ويعلمون أنه خالق، ولكنهم حكموا غيره في حياتهم، واتخذوا إليه شفعاء، قال الله في كتابه الكريم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزُّخرف: 87]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25]، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزُّمر: 3].



فالذي يؤمن بالله، ولكن هناك اضطراب في فهمه، وقصور في إدراكه أقرب من الذي يؤمن بإله آخر، أو لا يؤمن بوجود إله أصلاً.



لم يكن في الأرض وقت البعثة النبوية الشريفة من يفقه هذه الحقائق إلا أقل القليل.. كان هناك من يعبد المسيح ، وهناك من يعبد النار، وهناك من يعبد بوذا، وفي الهند كان هناك من يعبد بقرةً أو شجرةً أو فأرًا أو قردًا.


أولويات اختيار المدعو

لكنّ الله يعلمنا أن ندعو الأقرب فالأقرب:



- فندعو الذي يؤمن بوجود الله قبل الذي ينكر وجوده.



- وندعو الذي يعظِّم الله قبل الذي لا يعظمه.



- كما ندعو الذي يحب الدين ولكن لا يتبعه قبل الذي لا يحب الدين أصلاً.



وأولى الناس بدعوتنا في هذا الزمان هم المسلمون.



وأنا لست ضد دعوة اليهود والنصارى، بل على العكس هذا أمر عظيم وعظيم جدًّا، ولكن ابدأ بالأقرب فالأقرب: لا تترك جارك في السكن أو في العمل أو في النادي أو في غيره دون دعوة وهو مسلم وتتجه إلى دعوة غيره من غير المسلمين.



أَمَّا إن انتهيت من الدائرة الأولى حولك، فانطلق منها إلى غيرها مع مراعاة الأولويات.


الوضع الثقافي في الجزيرة العربية

الوضع الثقافي في مكة المكرمة خاصة والجزيرة العربية بصفة عامة، فلم يكن فيها فلسفات، ولم يكن فيها تشريعات مركبة، ولم يكن فيها قوانين مفضّلة، إنما هي حياة بسيطة إلى أبعد درجات البساطة، بينما كانت الحضارات المعاصرة ذات أفكار مرتبة، وفلسفات خاصة، وتاريخ طويل، على الوضع التالي:


1- الدولة الرومانية الغربية والشرقية

كان لديها قوانين وتشريعات في مختلف المجالات، بالطبع كان فيها ظلم وإجحاف، ولكنها في العموم قوانين تغطي مجالات الحياة.


2- اليونان

كانت جزءًا من الدولة الرومانية، كما ظهر فيها فلاسفة كبار لهم فلسفات خاصة كسقراط وأفلاطون وأرسطو.


3- الدولة الفارسية

ظهر لديهم فلاسفة كمزدك (صاحب فكرة الشيوعية) وزرادشت.


4- الهند

كان لديهم الكثير من حكمائهم طبقًا لأفكارهم.


5- مصر الفرعونية

وكان لديهم تاريخ طويل، وقوانين وتشريعات عديدة.



ورغم كل هذا نشأت الرسالة في مكان يعتبر بلا تاريخ ولا وضع ثقافي يُذكر، اللهم إلا الشِّعر، لكن حتى الشعر لم يكن له دور فعال، أو أهمية خاصة في إنشاء الأمة الإسلاميّة، بل إن رسول الله لم يكن يعرف نَظْم الشعر رغم بلاغته وفصاحته ، وقد قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]. أي لا يصح له أن يقول الشعر، وليس ذلك لأن الشعر حرام، ولكن لكي لا يختلط على الناس الأمر، فيعتقدوا أن القرآن نوع جديد من الشعر ساقه الرسول من عنده.



وكذلك كان المهاجرون -على فصاحتهم- لا يقولون الشعر إلا قليلاً، فأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، كان معظمهم لا يقول الشعر، ولم يظهر للمسلمين شعراء إلا بعد تثبيت أركان الدولة الإسلاميّة في المدينة، فظهر من الأنصار شعراؤهم: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة وغيرهم.


نقاء رسالة الإسلام

كل ما ذكرناه آنفًا لم يكن إلا لشيء واحد، هو من الأهمية بمكان، ألا وهو: نقاء الرسالة؛ حتى لا تختلط الرسالة بأفكار أخرى سابقة، وهنا قد يتهمها الناس بأنها مجرد تطور لمعتقدات معينة، وقواعد خاصة وضعوها منذ آلاف السنين، قد يحث بعضها على معنى أو فضيلة معينة يحث عليها الإسلام أيضًا، ولكن مع شيء من التحويل والتغيير، فقد يحث بعضهم على الصدق، أو الزهد في الدنيا والأمانة، فإذا جاءت هذه الأفكار في الإسلام فقد يعتقد البعض أنها مجرد تطور لأفكار الفلاسفة.



وقد ادعى بعض أعداء الإسلام هذا الادعاء رغم بُعد الرسول عن هؤلاء الفلاسفة، ورغم كونه أُمّيًّا وقت نزول الرسالة، فكيف تكون الحال إذا نزلت الرسالة في بلدٍ مملوءٍ بالفلاسفة والمفكرين؟!



كما أنّ هناك أمرًا آخر مهم أيضًا هو ضمان عدم تسرب بعض هذه الأفكار والفلسفات إلى الإسلام شيئًا فشيئًا دون دراية المسلمين بذلك، فيختلط الصواب بالخطأ، والحق بالباطل.



إن الجزيرة العربيّة رغم خلوها من الفلسفات والأفكار القديمة، فإن مجتمع المسلمين فيها احتاج جهدًا كبيرًا لإلغاء عادة مثل التبني، فقد استلزم الأمر طلاق الصحابي الجليل زيد بن حارثة من زوجه زينب بنت جحش رضي الله عنها، ثم زواج النبي منها، كل ذلك لإحداث هزة في المجتمع لإلغاء هذه العادة، فكيف لو كان البلد حافلاً بالفلسفات وأصحابها؟!



إن الله يريد أن يحفظ نقاء الرسالة، ولعل هذا هو السر -أيضًا- في عدم نزول الرسالة في فلسطين، وذلك حتى لا تصبح الرسالة مجرد امتداد لليهودية أو النصرانية.



نعم أصول التوحيد واحدة، ولكن الإسلام أتى بتشريع كامل متكامل يحكم الدنيا والدين، كما أن اليهودية والنصرانية قد حُرِّفَتا بدرجة كبيرة جدًّا، ولم يعد أحد يدري أين الصحيح من المزوَّر؟



أراد الله I أن تنزل الرسالة في مكة ليس فلسطين، حتى لا يدّعي أحد أنَّ الرسول قد مزج بين التوراة والإنجيل، وحرَّف فيهما قليلاً وغيَّر، وصنع منهما الإسلام.



إن كفار مكة قد ادعوا ذلك على الرسول الكريم فادّعوا أن الرسول يأخذ القرآن من غلام نصراني، فكيف لو نزلت الرسالة في بلدٍ مملوءٍ بأهل التوراة والإنجيل كفلسطين؟



لذلك نزلت الرسالة في بلد ليس فيه أي نوع من الثقافات السابقة أو القوانين أو التشريعات. كل هذا ليبقى الدين في النهاية نقيًّا خالصًا {أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ} [الزُّمر: 3].



من هنا نفهم موقف رسول الله من عمر بن الخطاب عند رؤيته يقرأ صحيفة من التوراة. روى أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ فَغَضِبَ (وفي رواية: أن عمر هو الذي كان يقرأ)، فَقَالَ الرَّسوُلُ : "أَمُتَهَوِّكُونَ[1] فِيهَا يَابْنَ الْخَطَّابِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي".



هذا الحديث وإن كان فيه أحد الضعفاء (مجالد بن سعيد) إلا أنه ورد من طرقٍ شتى يقتضي مجموعها أنّ لها أصلاً كما قال ابن حجر في الفتح.



ومن هنا -أيضًا- نفهم النهي المتكرر الصريح والجازم الذي جاء في القرآن الكريم بخصوص قضية اتباع الآباء.



لا شك أنه ستكون هناك تقاليد معينة في مكة، ومعتقدات خاصة عند السابقين، فلو اختلطت هذه المعتقدات (وإن كانت قليلة) بالإسلام، فإنّ ذلك لا يضمن بعد ذلك وضوح الرؤية ونقاء الرسالة، قال الله : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].



د. راغب السرجاني

[1] متهوكون: أي متشككون أو متحيرون.
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:56 pm

السيرة النبوية.. منهج ودراسة

حول دراسة سيرة النبي

محمد صلى الله عليه وسلمفي هذه السطور ندرس جانبًا من حياة رسول الله الذي عاش فيه في مكة، وليس غرض ذلك أن نستقصي كل حدث أو واقعة وقعت في حياة النبي في مكة، فهذا أمر يطول شرحه ويعجز البيان عن وصفه.



فلماذا لا نستطيع أن نحصي كل ما حدث في فترة مكة؟



أولاً: لأنها سجلت بدقة بالغة وخاصة منذ بعثة رسول الله إلى أن مات، فكل لحظة في حياته سجلت منذ البعثة وحتى الوفاة، حتى أدق التفاصيل في حياته وبعناية فائقة. وكل نقطة لا يتخيل أنها تُسَجل عن حياة إنسان سجلت للنبي .



ولعل الحكمة من تعدد زواج النبي من نساء كثيرة أن ينقلن الحكمة عن الرسول ، وعن حياته الشخصية الداخلية التي لا يراها غيرهن.



ولماذا هذا التسجيل الضخم الدقيق الكبير؟!



ذلك لأن النبي قدوة كاملة وليس بعده نبي إلى يوم القيامة.. {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].



نحن مطالبون بأن نقتدي بالنبي في كل حياته في كل خطوة من خطوات حياته، مطالبون باتباعه في رضاه وفي غضبه ، مطالبون باتباعه في حزنه وفي سروره ، في حلِّه وفي ترحاله، في كل لحظة من حياته ، فإذا رضي فهذا هو الموضع الذي يجب أن نرضى فيه، وإذا غضب فهذا هو الموضع الذي يجب أن نغضب فيه.



ثانيًا: مما يجعل إحصاء كل أمر في حياة النبي أمرًا صعبًا، ذلك التنوع العجيب في حياة رسول الله ، فتارة يكون مُطاردًا مُعرّضًا للأذى والاضطهاد، كما في حادث الهجرة لما خرج النبي من مكة مطاردًا هو وصديقه أبو بكر ، وظلاَّ مطارديْن حتى وصلا إلى المدينة والمشركون لا يدخرون وسعًا في البحث عنهما لقتلهما، وفي نفس سيرة هذا الرجل تجد أنه مُكّن في الأرض، يرسل الرسائل إلى كل عظماء الأرض من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم الفرس، ورسالة إلى هرقل عظيم الروم، وإلى المقوقس عظيم القبط، ويرسل إلى كل ملوك الأرض في زمانه.



تغييرات وتطورات كثيرة جدًّا في حياة الرسول ، فتارة تجده يعاهد قومًا ثم تتغير الظروف وينقضوا عهدهم فيحاربهم، وتارة يكون فقيرًا معدمًا يربط على بطنه حجرين من الجوع لا يوقد في بيته نار ثلاثة أهِلَّة في شهرين، وتارة يكون غنيًّا تأتيه الأموال من كل بقاع الجزيرة العربية، ينفق في سبيل الله إنفاقًا غير مسبوق، يعطي لهذا مائة من الإبل وهذا مائة من الإبل، وهذا أكثر وهذا أقل، ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، كما قال الأعرابي لَمّا أعطاه النبي غنمًا بين جبلين، فذهب لقومه يقول لهم: أسلموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. هو هو الذي كان فقيرًا مُعدِمًا.



يتعامل مع المشركين، ويتعامل مع اليهود، ويتعامل مع النصارى، ويتعامل مع المنافقين، ويتعامل مع المؤمنين.



فكل تنوع من الممكن أن يحدث في حياة رجل أو في حياة أمة حدث في حياة النبي ؛ ومن ثَمَّ كان استقصاء كل مواقف سيرته أمرًا صعبًا للغاية.



ثالثًا: هناك جيل عظيم عاش مع النبي ، هذا الجيل العظيم صنع أحداثًا عظيمة تعجز عشرات المجلدات على حملها.



الإنسان العظيم الذي يعيش مع ناس هَمَل ليست لهم قيمة لن تكون له أحداث، إنما الرجل العظيم الذي يعيش مع عظماء يتفاعلون معه بصورة إيجابية تامة في كل لحظة من لحظات الحياة، يتحركون بحمية، يفكرون بجدية، يتناقشون بفهم ووعي وإدراك، فكل صحابي قصة ضخمة في حد ذاته، فأبو بكر - على سبيل المثال - يحتاج إلى عشرات المجلدات لوصف مواقفه مع النبي ، كذلك عمر وعثمان وعليّ y وكذلك السيدة عائشة والسيدة حفصة وباقي المهاجرين والأنصار y.



آلاف من الكتب والمراجع كتبت عن هؤلاء الصحابة وكل هذا في النهاية هو جزء في سيرة النبي .



رابعًا: الأحداث العظيمة التي تحدث في حياة الناس هي التي ينبغي أن نقف عندها، فكلما كان الحدث عظيمًا كلما احتاج إلى دراسة وتحليل ووصف وشرح، تمر على حياة الناس عشرات السنين دون أن يكون هناك حدث عظيم يؤثر في مجموع البشر، فالأحداث المؤثرة فقط تحتاج إلى تحليل ووصف، ومن الممكن أن تعيش دولة من الدول عشرات السنين دون أن تجد حدثًا ضخمًا مؤثرًا.



حادث حرب رمضان 1393هـ أكتوبر 1973م نسأل الله أن يعيد أمثالها، كم من أبحاث وتحاليل ودراسات ووصف لهذه الحرب وهي منذ ثلاثين عامًا، ولا زلنا نكتب عنها وسيكتب عنها المحللون والمؤرخون؛ لأنه حدث كبير.


وقائع في حياة النبي

تخيل هذا الحدث وتخيل حياة النبي وفي كل عام من هجرته موقعة عسكرية ضخمة:

- 2هـ موقعة بدر.

- 3هـ موقعة أُحد وبني قينقاع.

- 4هـ بني النضير.

- 5هـ موقعة الخندق وبني قريظة وبني المصطلق.



إذا أحصينا في حياة النبي كل هذا الكم الهائل من الوقائع والأحداث، فكم سنحتاج من دراسة وتحاليل لهذه الوقائع.



السيرة النبوية معين لا ينضب، وفي كل زمن ينظر المفكرون إلى هذه السيرة فيستخرجون منها الكثير مع أنه قد فكر في هذا الحدث آلاف المحللين والمفكرين قبل ذلك، لكن هذا ثراء ملحوظ في السيرة النبوية.



فما نفكر فيه هو هدف كبير، وهو إعادة بناء الأمة الإسلامية بدراسة السيرة النبوية، وأي دراسة للسيرة ستخرج منه -بلا شك- بفوائد عظيمة.


مراجع في دراسة السيرة النبوية

هناك الآلاف من الكتب التي كتبت عن سيرة الرسول وعن صحابته وعن حياته بصفة عامة. وهذه بعض ما اعتمدت عليه في دراسة سيرة النبي :


أولاً: كتب التفاسير، ومنها:

تفسير ابن كثير - تفسير القرطبي - في ظلال القرآن لسيد قطب.


ثانيًا: كتب الأحاديث وشروحها:

وكثيرًا ما يغفل عنها بعض دارسي السيرة النبوية. ومن كتب الحديث التي يمكن الاستفادة منها كثيرًا في دراسة سيرة النبي :

1- صحيح البخاري.

2- فتح الباري بشرح صحيح البخاري لابن حجر.

3- صحيح مسلم.

4- شرح صحيح مسلم للنووي.

وكذلك سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ومسند الإمام أحمد بن حنبل.


ثالثًا: كتب السيرة، ومنها:

1- سيرة ابن هشام، وهناك بعض المواقف غير موثقة في سيرة ابن هشام؛ لذلك لا بد من دراسة بعض الكتب المحققة، ككتاب صحيح سيرة ابن هشام للأستاذ فتحي مجدي السيد.

2- كتاب صحيح السيرة النبوية لإبراهيم العلي.

3- كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم.

4- كتاب السيرة النبوية لابن كثير.

5- كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري.

6- كتاب السيرة النبوية للصلابي.

7- الأساس في السنة لسعيد حوّى.

8- فقه السيرة للبوطي.

9- فقه السيرة للغزالي.

10- المنهج الحركي للسيرة النبوية لمنير الغضبان.

11- السيرة النبوية دروس وعبر لمصطفى السباعي.

12- موسوعة سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي.

13- موسوعة السيرة النبوية للأستاذ حمزة النشرتي وآخرين.

14- كتاب دراسة في السيرة للدكتور عماد الدين خليل.

15- كتاب شعاع من السيرة النبوية للدكتور راجح عبد الحميد.



هذه بعض الكتب التي رجعت إليها في دراسة السيرة النبوية، وهناك كتب أخرى في التاريخ وكتب عن الصحابة.



وهناك بعض الأحداث رجعت فيها إلى كتب الفقه وكتب العقيدة وكتب التزكية والأخلاق، إلى غير ذلك من الكتب.


منهجنا في دراسة سيرة النبي

وفي دراستنا للسيرة النبوية نعتمد ونتحرى الصحيح قدر المستطاع في الأحداث، ولا نعتمد على بعض الأحداث التي قد تكون شيقة، ولكنها ليست صحيحة لأننا نهدف من وراء دراسة السيرة النبوية أن نخرج بقواعد عامة لبناء الأمة الإسلامية فلا بد أن نعتمد على الصحيح.



وكثير من العلماء تناول سيرة النبي من جانب معين، كأن يتناول الجانب الخُلقي للنبي ، أو الجانب الفقهي، أو يدرس جوانب الإعجاز في حياة النبي .



لكننا هنا سيكون كل اهتمامنا أن نستنبط القواعد المهمة في بناء الأمة الإسلامية.



ونهتم بالأحداث التي تشبه واقعنا المعاصر، وقد نسهب في تحليل حدث ما يظنه البعض صغيرًا، وقد لا نقف مع حدث آخر يظنه البعض أنه حدث كبير. ولا نغفل هذه الأحداث تقليلاً لأهميتها، ولكن هناك منظور نسير به.



وسيكون كلامنا من بداية البعثة لا من مولده ؛ لأننا كما ذكرنا نهتم بالأشياء المهمة في التشريع الإسلامي، والتشريع لم يبدأ إلا ببعثة النبي .



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:57 pm

السيرة النبوية وبناء أمة الإسلام


دراسة السيرة النبوية

دراسة السيرة النبويةإن دراسة السيرة من منظور إعادة الأمة يجعلنا مستمسكين بالأحداث التي تعيننا على بناء هذه الأمة، ومن ثَمَّ فإننا ندرس السيرة لا على سبيل الحصر ودراسة التفاصيل، وإنما على سبيل الفَهْمِ والوعي؛ لتكون لنا دليلاًً على طريق النهضة والإصلاح، فهذا هو المنظور الصحيح لدراسة السيرة النبوية.



والوحي -بلا شك- تكريم للبشرية، وإخراج لها من الظلمات إلى النور، يدعوهم للأمن بعد الفزع، وللخير بعد الشر، وللهداية بعد الضلال، وهو إخراج الناس من الهاوية السحيقة، والانحطاط في القيم والأخلاق والشرائع، قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].



فدراسة سيرة النبي متعلقة كلها بقضية الوحي؛ حتى لا يتسنَّى لأحدٍ أن يفهم السيرة فَهْمًا خاطئًا؛ فمعية الله مصاحبة لرسوله على طول الطريق؛ لأن السيرة النبوية ما هي إلا ترجمة واقعية للوحي الرباني المنزّل عليه ، يقول الحق : {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجم: 3، 4].


مقدمات قبل البعثة

قبل البعثة النبوية حدثت للنبي مجموعة من المقدمات، نذكر منها الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وحادث شقّ صدره ؛ فقد استخرج الملَكَان من قلبه حظَّ الشيطان منه، ثم غسلوا قلبه في طَسْتٍ من ذهب بماء زمزم، وكان أنس بن مالك يرى أثر المخيط في صدره .



وقد بدأ رسول الله دعوته لأكثر الناس حبًّا له، فذهب النبي إلى زوجته السيدة خديجة فهي أول من آمن به على ظهر الأرض؛ فقد تابعت السيدةُ خديجة النبيَ ، وأخذته لابن عمها ورقة بن نوفل، وعرفوا منه أن الذي ينزل عليه هو جبريل ، فكانت -رضي الله عنها- مثالاً للمرأة المحبة لزوجها، والعاقلة في اتباع ما جاء به.



ذهب النبي بعد السيدة خديجة إلى أحب الرجال إلى قلبه أبي بكر ، فكان أبو بكر أسرع أصحابه في دخوله الإسلام، وفيه يقول النبي : "مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إلى الإِسْلامِ إِلاَّ كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ، مَا عَتَّمَ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ مَا تَرَدَّدَ فِيهِ". لم يفعل أحد من البشر مثل ما فعل هو والسيدة خديجة رضي الله عنهما. ثم دعا زيد بن حارثة الذي كان يحب النبي حبًّا كبيرًا، وأحبه النبي حتى عُرف بين الصحابة بزيد بن محمد. وفي موقف رِقِّه وتخييره بين العبودية للرسول والرجوع لوالديه أكبرُ دليلٍ على حبِّه للنبي ؛ لما رآه من حسن معاملة وعشرة طيبة هادئة، لم يؤذه فيها النبي ، ولم يتعدَّ عليه بالقول أو الفعل.


السيرة وبناء خير أمة

تحدثنا عن وضع الزمان الذي بعث فيه النبي وعلى وضع المكان الجزيرة العربية. وقد يتساءل البعض عن قصة الرسول ، ونذكركم أن منظور هذه السطور هو دراسة كيف نبني أمة، وكيف نعيد بناء أمة الإسلام على نهج رسول الله .



إن دراسة السيرة النبويّة من خلال هذا المنظور لها أبعاد تختلف تمامًا عن أبعاد من يقرءون سيرة النبي كقصة منذ الميلاد إلى الوفاة، وهذا ليس مقصودًا من هذه السطور.



من خلال سيرة رسول الله نعدّ عملاً ضخمًا، وهو مشروع بناء أمة على نهج الرسول .



إن بناء عمارة لا بد له من تخطيط جيد وإعداد سابق، وبداية هذا التخطيط وهذا الإعداد أن تقوم بدراسة جدوى، وتقوم دراسة الجدوى على ظروف المكان وطبيعته، ومن سيقوم بالعمل والبناء وتكاليف البناء إلى غير ذلك من إعداد وتخطيط.



وهذا الكلام ينطبق أيضًا على الإسلام، لكن تخيل الفارق بين دراسة الجدوى لبناء عمارة أو مبنى ضخم، وبين دراسة الجدوى لبناء أمة كاملة كأمة الإسلام.



فلا بد من دراسة السيرة النبويّة من خلال هذا المنظور، لا بد أن نقف مع كل حدث وكل موقف في السيرة النبويّة ونعرف ظروف وملابسات وطبيعة الموقف أو الحدث، وما هي الحكمة من اختيار النبي لهذا الرأي في هذا الوقت.



بهذه الدراسة نستطيع أن نبني الأمة كما بناها النبي .



كل الناس يعرفون قصة النبي من ميلاده إلى بعثته، ومن البعثة إلى الهجرة وكيف هاجر، ويعرفون غزواته ويعرفون كل التفاصيل الكاملة عن هذه الأمور، وهذا ليس هدفنا، إن هدفنا يكمن في ما وراء الأحداث، كدعوته لأبي بكر، والسيدة خديجة في بادئ الأمر، ودعوته لزيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب، ولماذا اختار أبا بكر ومن الذين دعاهم في بادئ الأمر، ولماذا جهر بالدعوة في هذا الوقت؟ ولماذا لم يجهر منذ نزول الوحي عليه؟ وفي بداية جهره بالدعوة من هم أول من دعاهم النبي في بداية جهره بالدعوة؟ ولماذا حاربه قومه بعد جهره بالدعوة؟ أليس ما يدعو إليه هو الحق أم أن الدعوة غير مقنعة؟



عشرات الأسباب التي منعت الناس من دخول الدعوة، وهل هذه الأسباب من الممكن أن تتكرر؟ وكيف وقف النبي أمام من حاربوه؟ وكيف عالج النبي هذه الأسباب؟ وكيف أسلمت مكة بعد ذلك؟



كل هذا الكلام له فوائد ضخمة جدًّا في بناء أمة الإسلام.



ولماذا أمر النبي أصحابه بالهجرة؟ وماذا يكمن وراء اختياره للحبشة؟ ولماذا لم يختر اليمن أو غيرها من البلدان كمصر أو العراق؟



ولما أراد الهجرة إلى المدينة؟ ولماذا أرسل مصعب بن عمير ليعلَّم الناس؟



ولماذا اختار مصعبًا ولم يختر أبا بكر أو عمر أو غيره من الصحابة؟



ولمَ خرج من مكة وذهب يدعو في الطائف؟ لماذا الطائف بالذات؟



كل هذه المواقف والأحدث في تدبرها وتحليلها، والإجابة عليها تساعد على وضع قواعد في غاية الأهمية، وهذا هو المقصود، أن نعرف كيف نبني أمة؟ وكيف نقيم بنيانًا بهذه القواعد كما أقامه النبي ؟



ولن نستطيع أن نقيم هذه الأمة إلا إذا قلدنا الرسول في كل موقف من مواقف حياته .



لكن لا بد أن نراعي الظروف التي اختار فيها النبي هذا الأمر؛ لنعرف كيف نحاكي فعل النبي .



وسنبدأ في الحديث عن سيرة النبي لكنها بداية غير تقليدية، فلن نبدأ من الميلاد ولكن بدايتنا من نزول الوحي على النبي .



ليس معنى ذلك أننا نقلل من حياة النبي التي سبقت الوحي، ولكن كما ذكرنا آنفًا أن منظورنا هنا، هو أن نعرف كيف نبني أمة؟



لن نقصَّ حياة الرسول من الميلاد إلى الممات، لكن نستخلص نقاطًا مهمة تفيد في بناء الأمة الإسلامية.



الإسلام كدين وطريقة وشرع بدأ على الأرض منذ لحظة نزول الوحي؛ ولذلك سنبدأ في الحديث من هذه النقطة، وهذا لا يمنع أن نرجع في تحليل بعض المواقف من حياته قبل البعثة إذا كان لها علاقة بالتمهيد للبعثة، ولكن هذا لن يكون بالترتيب المألوف.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:58 pm

قواعد دراسة السيرة النبوية


لكي نستفيد من دراسة السيرة النبوية لا بد من وضع قواعد لدراسة الأحداث لكي تتم الاستفادة الكاملة من السيرة النبوية، وهناك أربع قواعد، فحاول أن تطبق هذه القواعد الأربع على أحداث السيرة النبوية؛ لتتبيّن حجم الاستفادة من هذه الأحداث.


القاعدة الأولى: السيرة النبوية المصدر الثاني في التشريع الإسلامي

لا بد أن نفقه المصدر الثاني للتشريع للدين الإسلامي من خلال دراستنا للسيرة النبوية، فإن مصادر التشريع في الإسلام كثيرة وأول هذه المصادر بلا جدال هو القرآن، والمصدر الثاني بلا جدال أيضًا هو السنة المطهرة. والسُّنَّة هي كل قول أو فعل أو تقرير صدر عن رسول .



والتقرير هو فعل الصحابي لأمر وافقه عليه النبي بأن استحسنه أو سكت عنه. ولن تستطيع فهم المصدر الثاني من التشريع إلا بعد دراسة مستفيضة للسيرة النبوية.



القرآن والسنة هما مصدري التشريعوالقرآن والسنة هما مصدرا التشريع الرئيسية، وهناك مصادر تشريع أخرى منها الإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والاستصحاب والعرف، اختلف الفقهاء في ترتيب هذه المصادر لكنهم لم يختلفوا في أن القرآن هو أول هذه المصادر، والسنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع وليس لهما بديل.



والسنة في غاية الأهمية في التشريع الإسلامي، وكذلك السيرة في غاية الأهمية لفهم السنة. فالله يقول في كتابه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44].



فبدون السيرة وبدون السنة لن تسطيع أن تفهم القرآن الكريم نفسه، فدراستنا لموقف من مواقفه إنما هي دراسة للمصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.



فالسيرة ليست مجرد شيء نقرؤه أو نتسلى بقراءته، بل هذا هو الدين، وهذا مصدر من المصادر التشريع الإسلامي. وهذا ما سنقابل الله به، وهو ما سيسألنا عنه يوم القيامة، فبفهمك للسيرة النبوية وتطبيقها على الوجه الأمثل تستطيع أن تقابل الله بوجه حسن وبعمل صالح.



لكن هناك طائفة -وللأسف البعض منهم مسلمون- يشككون في أمر السنة ويشككون في السيرة النبوية، وتزعم أنها تكتفي بالقرآن الكريم، والرسول -عليه الصلاة والسلام- تنبأ بهذه الطائفة في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه: عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ الْكِنْدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: "يُوشِكُ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، مَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ. أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ".



ويرد كتاب الله على هؤلاء الذين يزعمون أنهم يؤمنون بالقرآن فقط، فيقول تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، {فَلاَ وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].



الصحابة ما كانوا يفرقون أبدًا بين قرآن وسنة. قد يكون الحدث الذي تدرسه أو تقرؤه عن النبي أمرًا تشريعيًّا يجب عليك الأخذ به، وقد يكون ترك هذا الأمر يعرضك لأن يُقال لك: سحقًا سحقًا.


القاعدة الثانية: أن نتعرف على شخصية النبي، ومن هو النبي؟

رسول الله هو خير البشر أجمعين وخاتم المرسلين وسيد الأولين والآخِرين. هذه الشخصية هي شخصية عظيمة، بل هي أعظم شخصية وطأت قدمُها على وجه الأرض منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة.



هذه الشخصية جديرة بالدراسة، وهناك أشياء عن النبي سوف نعرفها، والتي تتحدث عن جوانب متعددة ومتنوعة في حياته ، لكن هناك شيء مهم لا بد أن نعرفه عن النبي ونضعه في أذهاننا بوضوح عند كل موقف من مواقفه ، وهذا الأمر هو أن النبي رسول من عند رب العالمين.



شاء الله ألا يكلم عباده كِفاحًا (مواجهة) في الدنيا ليكون ذلك فضلاً منه ونعيمًا لأهل الجنة في الآخرة، وشاء كذلك أن يخاطب عباده عن طريق رسول من البشر، ومن كل الخلق اختار الله I محمدًا ليبلغ الناس عنه I، إذن الرسول في الحقيقة ما هو إلا ناقل عن رب العزة I {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجم: 3، 4].



وعلى هذا القدر من الأهمية يجب أن يؤخذ حديث النبي ، وعلى هذا القدر من العظمة يجب أن تؤخذ سيرة النبي . فالسيرة هي النموذج العملي التطبيقي الذي رسمه الله لخلقه كي يقتدوا برسوله ويقلدوه.



السيرة هي الدليل في الصحراء والبوصلة في البحر، فمن أراد الوصول إلى شاطئ النجاة فلتكن السيرة هي دليله.



ومن دون السيرة سوف نفقد الوجهة الصحيحة بل نضل، ونظل نتخبط في دياجير الظلمات كحال الكثير من الناس.



لو ثبت أن هناك شيئًا فعله النبي فهو ما أراده الله منا، حتى النوافل، فقد يظن البعض أن النوافل من اختراع الرسول ، وأن ما فرضه الله هو ما أوحى الله به إلى النبي من فرائض كصلاة الصبح والظهر، وأن النوافل التي تسبق هذه الفرائض أو تتأخر عنها هي اجتهاد من النبي ، فالله شرع الفريضة كصلاة الظهر فهي أربع ركعات، وكذلك شرع النافلة التي تسبقه أو تتأخر عنه لكن جعل هذا فرضًا وهذه نافلة، وفي النهاية كل شيء مرده إلى الله، وهناك بعض المواقف التي يختار فيها النبي شيئًا وكان من الأولى أن يختار شيئًا آخر، فينزل الوحي ليغيّر المسار ويختار للرسول الاختيار الأولى والأكمل الذي يصلح لهذه الأمة في زمانه وإلى يوم القيامة.



فدراسة السيرة من هذا المنظور تعطي للسيرة أهمية كبيرة، فهي ليست دراسة لشخص عظيم أو مصلح كبير فحسب، بل هي دراسة لسيرة رسول رب العالمين، بل خير الرسل وخاتم النبيين .


القاعدة الثالثة: أن نحب النبي

ينبغي أن نتعلم كيف نحب الرسول ، فحب رسول الله يجب أن يفوق كل حب، وإن لم يحدث هذا الحب فهناك خلل في الإيمان، يقول في حديثه الشريف: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا".



ويقول في حديث آخر: "لاَ يُؤْمِنُ الْعَبْدُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".



ونعرف كلنا ما دار من حوار بين النبي وبين سيدنا عمر بن الخطاب ، قال عمر بن الخطاب: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، إِلاَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ : "لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ". فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ : "الآنَ يَا عُمَرُ".



أي الآن اكتمل الإيمان، الآن اكتمل الصدق مع الله ، لن تكون صادقًا مع الله في اتباعه وفي محبته إلا باتباع النبي {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].



فلا بد من وقفة مع النفس لتعرف هل تحب رسول الله حبًّا حقيقيًّا أم أنك تقدم شيئًا على أوامره؟ هل لك إلى أن تقف وقفة صادقة مع نفسك لتعرف إن كنت تحب الله أم أنك مدَّعٍ لهذا الحب؟


دراسة السيرة النبوية تعين على حب النبي

إن حب النبي قضية محورية في إيمان العبد، والتعرف السطحي على شخصية ما لا يتولد عنه عميق حب، إنما التعرف على دقائق الحياة، واكتشاف جوانب العظمة المختلفة في الشخصية التي ندرسها هي التي تولد الحب في قلب الإنسان.



ولا أحسب أن إنسانًا يمتلك فطرة سليمة يسمع أو يقرأ عن النبي ولا يحبه، وكلما عرفته أكثر كلما أحببته أكثر، وكلما أحببته أكثر كلما زاد إيمانك، فهي علاقة تفاعلية في غاية الأهمية في حياة المؤمنين.



اقرأ عن مواقف النبي ، وعن معاملاته خاصة مع أهله ونسائه وبناته، كيف كان يتعامل مع أصحابه؟ وكيف كانت معاملاته مع أعدائه؟ اقرأ عن جهاده، والغزوات التي قادها ، واقرأ عن صدقه، وعن أمانته، وعن شجاعته، وعن تقواه، وعن عبادته، وعن قضائه، وعن سياسته، اقرأ عن المعاهدات التي عقدها النبي ، اقرأ عن الطائف، أو عن الهجرة، أو عن بدر، أو عن أحد، أو عن فتح مكة، أو عن أي موقعة أو موقف من حياة النبي .



وحتمًا ستحب النبي ، بل سيتعمق هذا الحب في قلبك. لقد عدَّ الله محمدًا نعمة ومنَّة منه I على عباده، قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].



قاعدة من القواعد المهمة التي تضعها نصب عينيك وأنت تدرس السيرة النبوية، وهي أن تعمق حب النبي في نفسك، وتزرعه في قلبك، فبدون هذا الحب لن تستطيع النجاة يوم القيامة، يقول الله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} [التوبة: 24].



فالمسألة ليست في ارتفاع الإيمان بحبه ، إنما المسألة هي تهديد من الله لمن عظم في قلبه حب المال والبنين وزينة الحياة الدنيا، ونسي حب الله أن يكون من الفاسقين.


القاعدة الرابعة: نتعلم الحكمة من دراسة السيرة النبوية

دراسة السيرة النبوية تعلم الحكمة في أرقى صورها، فبدراستك للسيرة النبوية تستطيع أن تتعلم الحكمة من مواقفه ، والحكمة هي أن تضع الشيء في نصابه، وكيف تفضل رأيًا على رأي آخر، وحياة النبي هي الحكمة بعينها، فإذا اختار أمرًا فهذا اختيار حكيم، وإذا فعل فعلاً ما فهذا الفعل هو الحكيم.



وللنبي مواقف عديدة تدل على حكمته ، منها:


حكمته الرسول في امتلاك القلوب:

لم يكن يمتلك قلوب أصحابه فقط، بل كان يمتلك قلوب أعدائه أيضًا، وهذا من أرقى صور الحكمة، فالقائد ينجح إذا امتلك قلوب أكثر أصدقائه، فما بالك بمن يمتلك قلوب أعدائه؟!


حكمته الرسول في الاعتراف بفقه الواقع:

هذه الحكمة في منتهى الأهمية وتسمى هذه الحكمة بالمرحلية، فقد طاف حول الكعبة وبها ثلاثمائة وستون صنمًا وما رفع معولاً ليكسر صنمًا، ثم يأتي وقت لا يقبل فيه النبي أن يوجد صنم واحد بجزيرة العرب، وفي فتح مكة يرسل النبي سيدنا خالد ليهدم أصنام الطائف.



فبدراسة السيرة تستطيع أن تفرق بين الموقفين لتتعرف على حكمته من ذلك، وهذا لن يتأتى إلا بعد دراسة السيرة النبوية بعمق وفهم وتحليل لهذه الأحداث.



وعاش النبي في مكة ثلاث عشرة سنة وبها الرايات الحُمر المعلقة على خيام الزانيات، ولم يحطم خيمة واحدة من هذه الخيام. ويأتي زمان آخر لم يتوانَ النبي عن إقامة الحد على الغامديّة.



وكان في وقتٍ يعاهد اليهود، وفي وقت آخر وعندما يغدرون يحاربهم. فَلِمَ يعاهد النبي في وقت الحرب؟! ولِمَ يحارب في وقت المعاهدة؟!



وقد يتخذها البعض ذريعة لمعاهدة اليهود دون دراسة أو تحليل لمواقف النبي ، فقد يعاهد ويصالح في وقت الحرب.



ولن نعرف كل هذه الأشياء إلا بدراسة سيرته جيدًا لنعرف كيف نتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب.



كان النبي يكف يده يومًا عن القتال، ثم يأتي يوم يقاتل من قاتله، ويوم يقاتل كل الكفار.



يومًا يمر النبي على آل ياسر وهم يعذبون في الله، وهذا التعذيب قد أفضى بحياة ياسر وسمية فيقول لهم النبي : "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْجَنَّةُ". لم يرفع النبي سيفًا ليقاتل أبا جهل الذي كان يعذبهم، ولم يأمر النبي أحدًا من أصحابه الأشداء الفرسان المعروفين لم يأمرهم بقتل أبي جهل وأبي سفيان وأبي لهب، وعندهم ما يبرر ذلك.



لكن في يوم آخر يجهّز النبي جيشًا ويحاصر بني قينقاع؛ لأنهم قتلوا رجلاً مسلمًا بعد أن كشفوا عورة امرأة مسلمة.



ولقد سيَّرَ النبي جيشًا لقتال الروم، هذه الدولة العظمى لقتلهم رجلين من المسلمين، لكن هذا زمن وزمن مكة شيء آخر.



وأول العهد في المدينة غير آخر العهد فيها، وغزوة بدر تختلف اختلافًا تامًّا عن غزوة أحد.



لا بد -إذن- من دراسة الظروف والملابسات الخاصة بكل موقف وأنت تدرس مواقف السيرة النبوية، وبذلك تستطيع أن تفهم حكمته في فقه الواقع.


التدرج:

ومن حكمة رسول الله اتباع سياسة التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي التربية. كانت الخمر من القضايا الشائكة عند المسلمين، ولم يُحمل الناس على تركها مرة واحدة بل كان التدرج هو السمة الأساسية في تحريمها.



وكذلك حرم الربا، وكذلك كان أمر الناس بالجهاد، فكان التدرج هو العامل الرئيسي في كل هذا الشيء.


الوسطية:

من نعم الله على هذه الأمة أن جعلها أمة وسطًا، كما أخبر في كتابه فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143].



فلا إفراط ولا تفريط في أي أمرٍ من أمور الدين، وكذلك كان منهج النبي .



وتعددت التعريفات للإفراط والتفريط وكل له تعريف، والمقياس في كل هذا هو سيرة النبي .



ومن ذلك مثلاً أمر الزواج، فالنبي أمر بالزواج وحض عليه وتزوج، ولكن الزواج لا يلهي عن الدعوة، أو عن الجهاد في سبيل الله، أو عن النفقة في سبيل الله، فهذا التوازن نتعلمه من سيرة النبي .



والتوازن في العمل نتعلمه من سيرة النبي ، فأي عمل مشروع من أعمال الدنيا يأمر به النبي ، ويبارك اليد الخشنة، ولكن بدون إفراط أو تفريط حتى لا يضيع حق الله تعالى وحق العباد وحق الأهل وحق الأمة.



ونتعلم من سيرته التوازن في الطعام، فقد ذكرنا آنفًا أنه يمر الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيت النبي نار. ولكن إذا حضر الطعام أكل من أطيبه.



وكان يصلي وينام ويصوم ويفطر.



وما حديث الثلاثة نفر ببعيد، فيقول أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : جَاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي".



فالوسطية كمنهج عملي في حياة الأمة تراها واضحة تمامًا في سيرة النبي .


القواعد الأربع

وفي كل موقف من مواقف سيرة النبي علينا أن نضع نُصب أعيننا هذه القواعد الأربع التي فصلناها سابقًا. وهي:



1- أن نفهم أن هذا الموقف قد يكون من المواقف التشريعية، والعلماء لهم دور كبير في استنباط الأحكام من السيرة النبوية.



2- ندرك أنه رسول ولا يخطو خطوة إلا بوحي من الله أو تعديل من الوحي.



3- أن نتعلم كيف نحب النبي من كل موقف من مواقف حياته .



4- أن نتعلم الحكمة في اختياره للآراء، وفي اختياره للأفعال في أثناء السيرة النبوية من أوَّلها إلى آخرها.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 1:59 pm

سرية الدعوة بين التاريخ والواقع


لا ريب أن رسول الله يريد أن يصل بدعوته لكل إنسان بادئًا بمكة بلده، ولم يكن من السهل أن يقف النبي مجاهرًا بدعوته وسط الكعبة، فقد كان اختياره لأتباعه محاطًا بكل وسائل الحيطة والحذر، ولم يعلن لعموم الناس أمره، فلماذا لم يعلن الرسول أمره ليسلم أكبر عدد من الناس في أقل وقت ممكن؟ لم يفعل ذلك النبي ؛ لعلمه أن دعوة الإسلام -وإن كانت مقنعة للناس- ستلقى حربًا ليس من قريش فقط، بل من العالم أجمع.


قواعد اختيار المدعوِّين

كيف كان يتم هذا الاختيار؟ ما القواعد التي كان المسلمون يختارون على أساسها رجلاً دون الآخر؟ ولماذا يذهب المسلمون مثلاً لدعوة عثمان بن عفان، ولا يذهبون بالدعوة إلى الوليد بن المغيرة أو أبي جهل أو أمية بن خلف؟



بالنظر في حال السابقين الذين تم اختيارهم نجد قاعدتين مهمتين للاختيار كان يعتمد عليهما رسول الله ومن معه، والمخالفة لهاتين القاعدتين كانت قليلة جدًّا.


القاعدة الأولى: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا

كان الاختيار يقع على أصحاب الأخلاق الحسنة والخلال الحميدة، الذين يعظمون الصدق والكرم، والشجاعة والعدل، ومكارم الأخلاق بصفة عامة، بهؤلاء بدأ رسول الله ، وهناك قطاع عريض من الناس غير ملتزمين بالإسلام، لكن أخلاقهم طيبة، ولو التزموا لكانوا سندًا قويًّا للدعوة، فبهؤلاء بدأ النبي .


القاعدة الثانية: الاهتمام بالشباب

الدعوة موجهة لكل الأعمار، ولكن الاهتمام بالشباب في الفترة الأولى كان واضحًا، ولماذا الشباب بالذات؟



أولاً: هم لم يطل عليهم الأمد في تقاليد معينة، لم يألفوا عبادة الأصنام في سنوات طويلة، لم يقتنعوا بها، ولم يتمسكوا بالدفاع عنها، تخيل نفسك تدعو إنسانًا ظل أربعين أو خمسين سنة يدافع عن قضية باطلة ويجاهد من أجلها، ثم تأتي وتقول إن دفاعك وجهادك السنوات الطوال كان كله في باطل، هذا ولا شك صعب، بينما دعوة الشباب أيسر بكثير، فهم لم تتلوث عقولهم بأفكار خاطئة، ومن ثَمَّ يستطيعون تقبل الفكرة الإسلامية بسهولة.



ثانيًا: الشباب بصفة عامة مولعون بالجديد، أي جديد، لذلك تجد أحيانًا أن الشباب يقلدون التقاليد الجديدة وإن كانت سيئة أو مضرة أو لا توافق هواهم، ولكن فقط لأنها شيء جديد، فإذا وجد الشباب شيئًا صالحًا جديدًا، فهم يكونون أقرب إليه من الشيوخ.



ثالثًا: عند الشباب حماسة وحمية عالية جدًّا، فورة ونشاط، لا يعترفون بالصعب، بل لا يعترفون بالمستحيل، وحمل الإسلام أمر صعب وشاق، ويحتاج إلى عزيمة الشباب ومن لا تعوقه الصعاب.



وليس معنى ذلك إبعاد الشيوخ عن الإسلام، ولكن فرصة إيمان الشباب، وفرصة حركة الشباب للدعوة بعد الإيمان، وفرصة ثبات الشباب على الحق، وتحديه للصعاب، والمشاكل أكبر من فرصة الشيوخ.



لكن من المؤكد أن الدعوة تحتاج إلى حكمة الشيوخ بجانب حماسة الشباب؛ لذلك كان التركيز في الدعوة على الشباب حسن السيرة، على الشباب طيب الخلق، أولئك هم عماد الدعوة فعلاً، سواء في زمن رسول الله أو في الأزمان اللاحقة وإلى يوم القيامة، هذه سنة من سنن الله في التغيير.



وفي اليوم الثاني من الدعوة بدأ رسول الله والمؤمنون الأوائل يتحركون من جديد بالدعوة لانتقاء عناصر جديدة، لم تكن الدعوة عند أبي بكر الصّدّيق مجرد تكاليف من الرسول ، ولكنه الحب للإسلام الذي ملأ قلبه ، وهو ما كان سببًا في استجلاب أكبر عدد من الصحابة الذين أذعنوا للدعوة، ولبّوا نداءها، وكانوا عاملاً مهمًّا في نجاحها وخروجها للعالم. ولا شك أن أبا بكر الصديق كان من الرجال الحقيقيين في هذه الدعوة المباركة، وكان عاملاً من عوامل جذب كثير من الصحابة لهذه الدعوة؛ فقد كان سهلاً لينًا محببًا مُوَطَّأ الأكناف، وسيرته تجعلنا نفكر أكثر من مرة في كيفية الاقتداء به، والسير على نهجه في استجلاب الجنود لدين الله، وفي البذل بالمال والنفس.


الفقه في سرية الدعوة

إن من فقه المرحلة السرية للدعوة أن النبي اتخذ منهج الحيطة والحذر؛ لأن الدعوة في بدايتها تحتاج للرجال وهم قليلون؛ فإن فُقِد الرجالُ ضاعت الدعوة، وهذا ما يوضحه موقف النبي مع عمرو بن عَبَسَة الأسلمي رغم إسلامه. وكذا من دواعي الحيطة التي مر بها النبي وأصحابه أن اجتماعاتهم السرية كانت في دار الأرقم بن أبي الأرقم، ذلك الغلام صاحب الست عشرة سنة، البعيد عن قريش والعدو لبني هاشم؛ لأنه من قبيلة مخزوم المتنازعة دائمًا مع بني هاشم.



وقد اتخذت تربية النبي لأصحابه في هذه الدار الجانبين النظري والعملي، من تثبيت العقيدة والأخلاق والتربية بالتاريخ، والاهتمام بالصلاة وقيام الليل والصوم؛ مما كان دافعًا قويًّا في السير قُدُمًا في مجال الدعوة إلى الله، وتربية رجال صدقوا عهدهم.



ما لا شك فيه أن الرسول يريد أن يصل بدعوته لكل إنسان في مكة، بل لكل إنسان على ظهر الأرض، ويتخيل البعض أنه كان من السهل على الرسول أن يقف وسط الكعبة من أول يوم أُمِر فيه بالإبلاغ ويعلن للناس جميعًا أمر الإسلام، لكنه لم يفعل، بل كان يختار من يدعوهم آخذًا بكل أسباب الحيطة والحذر، فيذهب إلى الرجل فيسر له في أذنه بأمر الإسلام، ويدعوه سرًّا، ولم يعلن لعموم الناس أمره.



والدعوة السريّة لم تستمر يومًا أو اثنين، بل استمرت فترة طويلة بالنسبة لعمر الدعوة الإسلامية فكانت حوالي ثلاث سنوات.



وبعض الناس يعتقدون أن الرسول عندما وقف على الصفا وقال للناس: "أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟".



يعتقدون أن هذه المقولة كانت في بدء الدعوة وبعد نزول أمر الرسالة مباشرة، والواقع غير ذلك، لقد كانت هذه الكلمة بعد ثلاث سنوات كاملة من نزول الوحي.


سرية الدعوة بين التاريخ والواقع

الدعوة إلى الله تعالىلقد ظلت الدعوة سرية تمامًا ثلاث سنوات كاملة، ظلت الدعوة تقوم على أمر الاصطفاء والانتقاء ثلاث سنوات كاملة. لماذا؟



لماذا لم يعلن الرسول أمره ليسلم أكبر عدد من الناس في أقل وقت ممكن؟



لم يفعل ذلك النبي ؛ لأنه يعلم أن دعوة الإسلام وإن كانت مقنعة للناس إلا أنها ستلقى حربًا ليس من قريش فقط بل من كل العالم.



أكان رسول الله يخشى على نفسه من قريش؟



هذا مستحيل، فهو لا شك يعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، بل كانت هذه هي الحكمة في الدعوة.



ومن الممكن أن تقول: إن السرية في الدعوة في هذه المرحلة لم تكن اختيارًا نبويًّا، بل كانت أمرًا إلهيًّا، فالله ُيعلِّم نبيه ويعلم أمته منهج التغيير في مثل هذه الظروف، وكيف تغير الأجيال القادمة من حالها في غياب رسول، وكيف التغيير إذا توافقت الظروف مع ظروف النبي في مثل هذه المرحلة.



إن الله قادر على حماية رسوله، فلا يصل إليه أذًى من أحد من قريش، ومع ذلك فهو يريد منه أن يرسم الطريق الصحيح للمسلمين لإقامة هذا الدين مهما اختلفت الظروف ومهما كثرت المعوقات.



ولذلك تجد أن الله قد وضع رسوله في كل الظروف التي من الممكن أن تمر بأمته بعد ذلك، وعلم رسوله كيف يتعامل مع كل ظرف، وكيف يصل بدعوته إلى الناس في وجود المعوقات المختلفة.



وبذلك حُدِّد للمسلمين منهجٌ واضح لا غموض فيه.


الإسلام والاتحاد السوفيتي

قد تكون سرية الدعوة تمامًا كما في السنوات الثلاث الأولى من الإسلام. قد يحتاج المسلمون إلى هذا الأسلوب السري في الدعوة إذا توافقت ظروفهم مع ظروف الرسول في هذه المرحلة.



على سبيل المثال المسلمون في الاتحاد السوفيتي قبل سقوطه كان يعيشون فترة مثل هذه الفترة، الإلحاد في كل مكان، حمل المصحف أو الاحتفاظ بالمصحف في البيت جريمة يعاقب عليها القانون، من اكْتُشف أنه يصلي أو يصوم يعاقب ويعذب وقد يقتل، فكان لا بد من السرية التامة في الإسلام، ولو لم يفعلوا ذلك لاختفى الإسلام من هذه البلاد، ولكنهم كانوا يتعلمون في ديار كدار الأرقم بن أبي الأرقم ، وكانوا يحفظون القرآن في سراديب وفي خنادق وفي كهوف بالجبال، والحمد لله بقي الدين، وبقي المسلمون، ورفعت الغمة، والذي حفظهم هو فقه المرحلة.



إن الله هو الحافظ وهو المعين، لكن هناك أخذ بالأسباب، والأسباب الصحيحة هي التي أخذ بها النبي في نفس المرحلة التي عاشها المسلمون.



لو أعلن كل واحد من المسلمين إسلامه في الاتحاد السوفيتي، وفتح صدره لنيران الشيوعية، لاختفى ذكر الإسلام من بقاع كثيرة، ولكن فقه المرحلة كان مهمًّا جدًّا، ووجود المثال النبوي الحكيم في إخفاء إسلامه في أول أمر الرسالة كان معلمًا لهم ومؤيدًا لمنهجهم.


اختلاف المنهج باختلاف الظروف

وستختلف الظروف بعد ذلك في حياة الرسول ، وبالتبعية سيختلف منهجه في إيصال دعوته للناس وفي تربيته للمؤمنين.



سيأتي زمان يعلن فيه البعض إسلامهم ويكتم المعظم، كما سيحدث بعد الثلاث سنوات الأولى من الدعوة.



وسيأتي زمان يعلن فيه المعظم ويكتم البعض، وإن كانت التربية ستكون سرًّا، كما سيحدث بعد إسلام عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما.



وسيأتي زمان يعلن فيه الجميع وتكون التربية علنًا بعد الهجرة إلى المدينة.



وسيأتي زمان سيدعو فيه الرسول زعماء العالم جميعًا إلى الإسلام وذلك بعد صلح الحديبية.



هذا الكلام في غاية الأهمية فلا يستشهد بفعل من أفعال الرسول والظروف مختلفة، وإلاَّ فلماذا كان هذا التنوع في سيرة النبي ، هذا التنوع ما هو إلا ليتعلم المسلمون الحكمة.



وأعني بالحكمة القدرة على تقليد النبي في أقواله وأفعاله عند تشابه الظروف.



الرسول هو الرسول لم يتغير، الإسلام هو الإسلام لم يتغير أيضًا، ولكن اختلاف الظروف يستلزم تغييرًا في طريقة إيصال الدعوة للناس، يستلزم فقهًا للمرحلة.


قواعد للدعاة

إذن نخرج بقاعدة مهمة من موقف رسول الله عند بدء الدعوة، وهي أن الدعاة مطالبون بالحفاظ على أنفسهم وعلى حياتهم، لا لخوفهم من الموت، فالموت في سبيل الله في حد ذاته غاية ومطلب وهدف، ولكن حفاظًا على الدين وعلى الإسلام وعلى استمرار المسيرة.



ونفهم من هذا الكلام الحكم الفقهيّ المشهور وهو أنه يجوز للجيش المسلم أن يفر من مثليه، ويوجد في كتب الفقه باب جواز الفرار من المثلين كما يقول الحق تبارك وتعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 66].



فلو كان عدد الأعداء أكثر من الضعف يجوز القتال ويجوز الفرار، حسب ما يرى القائد كما قال بذلك الفقهاء.



لأن احتمال الهلكة كبير، إلا إذا غلب على ظن القائد أنهم سينتصرون فيجوز له القتال، بل إن الإمام مالك رحمه الله قال: إنه يجوز الفرار من المثل، وليس من المثلين إذا كان العدو أعتق جوادًا وأجود سلاحًا وأشد قوة وغلب على الظن الهلكة.



ويوضح العز بن عبد السلام هذا الأمر بصورة أكبر فيقول: إذا لم تحصل النكاية في العدو وجب الانهزام، لما في الثبوت من فوات النفس مع شفاء صدور الكافرين. سيموت المؤمن ولن يحدث أثرًا في الكافرين، بل سيزيد الكفر. بل إنه يقول: وقد صار الثبوت هنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة.



يعني يأثم المسلم بإظهار نفسه إذا كان الاختفاء هو الألزم للمرحلة، ويأثم المسلم إذا ثبت إذا كان الانسحاب هو الألزم للمرحلة.


بين الحكمة في الحفاظ على الدعوة والجبن

فقه ووعي وإدراك لسلوك الرسول ، وأسلوبه في التعامل مع كل ظرف، ولكن هنا لا بد من ملاحظتين مهمتين:



الملاحظة الأولى: هي أن الفارق بين الحكمة في الحفاظ على النفس، وبين الجبن شعرة، وقد يدعي الإنسان أنه يحافظ على نفسه؛ لأن المرحلة تتطلب ذلك، فلا يتكلم الحق، ولا يجاهد، ولا يدعو إلى الله، ولا يقوم بعمل في سبيل الله، بينما الدافع الحقيقي من هذا الركون هو الخوف من مواجهة الباطل، فالفرق بين الحكيم الذي يتبع الرسول والجبان الذي لا يريد حمل الدعوة هو سيرة الرسول .



فنرجع في ذلك إلى دليل شرعي من سيرة النبي ، يدل على أن هذا الموقف يشبه موقف الرسول لما أخذ النبي بمبدأ السرية.



ونرجع في ذلك أيضًا إلى ورع وإيمان وتقوى الفرد العامل، والله مطلع على القلوب، وفي النهاية أنت تتعامل مع الله .



وأهم من ذلك أيضًا الرأي المشار إليه من قبل القائد والجماعة والشورى.



فالقائد في هذه المرحلة هو النبي أو من ينوب مكانه، والشورى كذلك في غاية الأهمية، ومن الممكن بعد ذلك أن يخرج عامل الهوى، ونستطيع أن نفرق بين الحكيم والجبان.



الملاحظة الثانية: الذي يراعى في ذلك هو مصلحة المسلمين والإسلام عمومًا، وليس مصلحة الفرد، بمعنى أن هلاك الفرد قد يكون محققًا، ولكن هذا في مصلحة المجموع، فهنا لا يلتفت إلى الحفاظ عليه في نظير الحفاظ على الدين عمومًا، أو على الأمة بصفة عامة، أو المصلحة بصفة عامة.



كما سيأتي بعد ذلك عند إعلان الرسول الدعوة بعد ثلاث سنوات، ووجود خطورة حقيقية على النبي ، لكن المصلحة العامة للدعوة أن يعلن الدعوة، وكما سيرسل مصعب بن عمير إلى المدينة؛ لتعليم أهلها الإسلام رغم المخاطر التي تحيط به في المدينة، واحتمال قتله لأن المسلمين قلة، ويوجد بالمدينة يهود ومشركون، ولكن المصلحة المتحققة أعلى، وهذا من الممكن أن يقال في العمليات الاستشهادية التي نراها في فلسطين وفي غيرها؛ لأن هلاك الفرد فيها محقق، ولكن المصلحة أعلى، والمرجعية في كل ذلك كما ذكرنا لرأي القائد والشورى وليس لرأي الفرد لئلاَّ يدخل الهوى، مع العلم أن الهوى أحيانًا يكون في الهلكة، بأن ييئس الإنسان من ظلم الظالمين أو غلبة الكافرين، فيسارع بقتالهم أو إظهار نفسه في مكان ووقت لا يسمحان بذلك، قد يكون ذلك هوى في قلب الإنسان بينما تأمر الشورى بالحفاظ على النفس، فالرجوع إلى الشورى أو إلى قائد المسلمين أمر في غاية الأهمية.



إذن الرسول والمسلمون في الثلاث السنوات الأولى كانوا لا يتحدثون بالإسلام إلى الناس إلا سرًّا، يختارون رجلاً من الناس يتحدثون إليه بأمر هذا الدين.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:00 pm

مرحلة الدعوة الجهرية في مكة


الدعوة الجهرية في مكة

الدعوة الجهرية في مكةبعد ثلاث سنوات كاملة من الدعوة السرية كان عدد المسلمين نحو الستين من الرجال والنساء، وقد بات من المتعذر على أهل مكة أن يستأصلوا الإسلام بكامله، خاصةً إذا كان هؤلاء المسلمون من قبائل مختلفة، وأن معظمهم من الأشراف، هنا أَذِن الله لرسوله الكريم أن يجهر بالدعوة.



كانت الدعوة الجهرية مرحلة جديدة من مراحل بدايات الدعوة الإسلامية، وفي بداية هذه المرحلة أعلن رسول الله دعوته، بينما ظل المسلمون على سرّيتهم ما استطاعوا، فكان هذا تدرجًا واضحًا في طريق الدعوة.



وكما أُمر الرسول بالبلاغ، فقد أُمر أن يبدأ بأقربائه بالتحديد دونَ بقية الناس، وهذا نوع من التدرج في إيصال الدعوة للعالمين، إذ نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]، وقد أمره الله بدعوة الأقربين.



جاءت الأوامر من الله أن يوسّع الرسول دائرة الدعوة، ويقوم بصيحة أعلى لدعوة قبيلته الكبيرة قريش بكل بطونها، فما كان من الرسول إلاَّ أن صعد جبل الصفا فجعل ينادي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ، يَا بَنِي هَاشِمٍ". كل بطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما الأمر، فجاء - كما يقول ابن عباس في رواية البخاري - أبو لهب وقريش، ومع كونهم يعلمون سلفًا أن النبيَّ صادقٌ أمين إلا أنهم تراجعوا عن دعوته بل وحاربوها.



لا ريب أن أهل مكة حاربوا الدعوة، ولم يؤمنوا بها للعيوب الأخلاقية والاجتماعية التي كانت فيهم، وأن أنفسهم لم تطِب لتصديق النبي ؛ بسبب تقاليدهم وجبنهم والقبلية المتعصبة التي كانت فيهم، ذلك التعصب وتلك القبلية أو القومية هي من صفات الجاهلية، وكما كان الكِبر كان الخوف على المصالح والزعامة والرياسة سببًا من الأسباب الرئيسية لعدم دخولهم الإسلام، فالإسلام يعدل بين الناس ويسوي بينهم، وهو ما أرَّق بعضهم؛ فالعنجهة القرشية القديمة التي تمتّع بها القرشيون بين القبائل ستسحب منهم، ويتحول ذلك السيد صاحب الصوت الجهوري إلى مواطن عادي يضارع أخيه الذي يصغره مقامًا أو فقرًا، وكذا خوفهم على مصالحهم المالية خوفًا من الضياع والتبدد والهلاك؛ فهم مستفيدون من وضع مكة الحالي المنغمس في الشهوات والمفاسد، والإسلام يدعو للتقيد بأحكامه حتى لا تكون حرية عاهرة، فالحرية في الإسلام هي التقيد بأحكامه؛ فمَنَعهم عن الإسلام غباؤهم في استيعاب قضية التوحيد والبعث والحاكمية.


لماذا الدعوة للأقربين أولاً؟

كانت الدعوة الجهرية مرحلة جديدة من مراحل بدايات الدعوة الإسلامية، وفي بداية هذه المرحلة أعلن رسول الله دعوته بينما ظل بقية المسلمين على سرّيتهم ما استطاعوا، وكان هذا تدرجًا واضحًا في طريق الدعوة.



وكما أُمر الرسول بالبلاغ، فقد أُمر أن يبدأ بأقربائه بالتحديد ودون بقية الناس، وكان هذا أيضًا نوعًا من التدرج في إيصال الدعوة للعالمين، حيث كان قد نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214].


ولماذا الأقربون بالذات؟!

أولاً: لأن هناك حبًّا فطريًّا لشخص الداعية من الأقربين، وبهذا فإن الأقربين سيكونون أقرب للإجابة، فالقريب ليس بينه وبين الداعية حواجز قبلية أو حواجز عنصرية، أو غير ذلك من الحواجز.



ثانيًا: لأنه بذلك سيكون في حمية قبلية تدافع عنه، وإن هذا ليعطي قوة كبيرة للداعية، خاصة إذا كان له عائلة كبيرة وضخمة، كما أنه لو آمنت هذه العائلة بما يقول الداعي لأصبحت عضدًا له في دعوته.



ثالثًا: أن دعوة الأقارب مسئولية أُولى على الداعية، حديث رسول الله : "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". ومن هنا جاءت أهمية صلة الرحم، وأهمية دعوة الأقربين.



ولنتخيل لو أن الداعية كان يُحارب في عقر داره، يُحارب من داخل بيته أو عشيرته أو قبيلته، نتخيل لو أن زوجته أو ابنه أو أباه أو غيرهم ممن هم من أهله وعشيرته كان يعوق مسيرته، فإنه -ولا شك- سيواجه الكثير من الصعاب في طريق الدعوة، ومن هنا نؤكد على نقطة بنائية مهمة، ألا وهي: دعوة الأقربين أهم بكثير من دعوة الناس عامة.



وفي توضيح أكثر وتدليل على ما سبق ما كان من أمر لوط حينما جاءه قومه يراودونه عن ضيفه، فقد رد عليهم متأسفًا: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80].



إذ لم يكن لسيدنا لوط عائلة قوية تحميه وتقف من ورائه، فكان يودّ لو أن له عائلة قوية لوقف أمام القوم يدافع عن ضيفه، وهنا قال رسول الله معلقًا على موقفه هذا: "رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ؛ لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (يعني الله )، فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ".



وعلى النقيض من هذا كان موقف شعيب ، وذلك حين جاء إليه قومه يعترضون عليه فقالوا: {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91]. ومن هنا فقد كانت دعوة الأقربين ذات أهمية بالغة في بناء الأمم.



لذلك حين نزل قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] تحرك رسول الله ودعا الأقربين إلى طعام وكان عددهم خمسة وأربعين من أهله وعشيرته، حيث إن الدعوة على الطعام مما ترقق القلوب، وتبعث على المودة والألفة.


موقف أبي لهب من الدعوة

وفي هذا الاجتماع وقبل أن يتكلم رسول الله ويجهر ويصرح لهم بأمر دعوته حدث أمر غريب، فقد وقف أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة.



وهذا يعني أن أبا لهب كان يعلم بأمر الدعوة وأمر الإسلام، ولكنه ما اعترض عليه من قبل، ولم يعترض أحد من قريش قبل ذلك مع اكتشافهم أمر بعض المسلمين، ولقد كان ذلك لأن المسلمين كانوا يكتفون بعبادات فردية، كانوا يعبدون الله في بيوتهم، وقد ظن أهل قريش أن هذا لا يعدو أن يكون مثل أفعال بعض السابقين الذين تنصروا أو اتخذوا الحنيفية دينًا.



فالأمر الطبيعي أن أهل الباطل لا يمانعون أن تعبد ما تشاء في بيتك، طالما أن ذلك دونما تدخلٍ منك في أمر المجتمع، أما أن يجمع محمد الناس ويبدأ في دعوتهم إلى ما هو عليه، ثم يسفّه ما يعبدون من دون الله، ثم يُحكّم الله الذي يعبده في أمورهم، فهذا ما يرفضه أهل الباطل من قريش.



ومن ثم كانت هذه مبادرة أبي لهب، وقد أتبعها بكلام شديد حيث قال: "فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشرٍّ مما جئت به".



وهنا وفي حنكة وحكمة بالغة سكت رسول الله ولم يقم بما كانت من أجله هذه الدعوة وذاك الاجتماع، فلم يدعُ الناس، ولم يدخل في جدل مع أبي لهب، حيث الظرف غير موات، فالجو مشحون، والخلاف قريب، وليس من الحكمة تبليغ الدعوة في مثل هذه الأحوال، وخاصة أن أبا لهب هذا هو عمه وله أيضًا أتباع وأنصار.



إذن فليجمع الرسول الناس في موعد آخر، يبادر هو فيه الكلام ويسبق أبا لهب وغيره.


موقف أبي طالب من الدعوة

في جولة ثانية، وفي اجتماع ثانٍ، وفي أمر إن دل على شيء فإنما يدل على أن طريق الدعوة شاق وطويل، وأن الدعوة مكلفة ولها ثمن وأثمان، وأن الداعية يعطي لا يأخذ، وأنه يساعد لا يطلب المساعدة، وأنه يخدم لا يطلب الخدمة، جمع الرسول الله أهله وعشيرته مرة ثانية على الطعام، وفي هذا الموعد الثاني بادر الرسول بالحديث فقال: "الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُؤْمِنُ بِهِ وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ". إنها كلمات خطيرة جدًّا في مكة في ذلك الوقت.



ثم قال: "إِنَّ الرَّائِدَ لاَ يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ، وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا الْجَنَّةُ أَبَدًا أَوِ النَّارُ أَبَدًا".



ورغم أنه خطاب قصير جدًّا، إلا أن الرسول جمع فيه الكليات الأساسية للعقيدة، ووضح فيه مغزى الرسالة، كما أنه -تقريبًا- أعلن الحرب على آلهة قريش وعلى من يقفون وراءها.



وإزاء هذا الخطاب القصير والبسيط في ظاهره، العميق الدلالة في جوهره، كان لأقارب رسول الله موقفان متباينان.


موقفان متباينان
الموقف الأول

هو موقف أبي طالب، عم رسول الله ، الذي أحبه حبًّا يفوق حب أولاده، وهو الذي كان قد تكفل به بعد وفاة جده عبد المطلب، والذي يعدّ موقفه هذا من أكبر علامات الاستفهام في التاريخ.



فقد وقف إلى جواره يشجعه بكل طاقاته، لكنه ما دخل في دينه أبدا، لقد تحمّل أبو طالب الكثير من تبعات الدين الشاقة ولكنه لم يستمتع بأجمل ما فيه، تضحية وبذل وجهاد وعطاء، ولا إيمان {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]، قام أبو طالب فقال: "ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب (يقصد النصرة)، فامضِ لما أُمرت به (وهذا يعني أنه كان يعلم أن الله أمره بذلك، ولم يأت به من عنده)، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب".



تناقض بشع في ذات المقالة، فقد وقفت التقاليد حاجزًا وحائلاً بين أبي طالب وبين الإيمان، ووقف تقديس رأي الآباء والأجداد حتى وإن كان مخالفًا للحق دون دعوة الحق.



لكن ما يهمنا هو أن أبا طالب كان واضحًا وصريحًا في دفاعه عن رسول الله من أول يوم جهر فيه بالدعوة لأقاربه.


الموقف الآخر

هو موقف أبي لهب فما زال مصرًّا على عدائه فقد قال: هذه والله السوءة، خذوا على يده قبل أن يأخذ غيركم. فقال أبو طالب: "والله لنمنعه ما بقينا".


الدعوة لقريش عامة

جاءت الأوامر من الله أن يوسع الرسول دائرة الدعوة، ويقوم بصيحة أعلى لدعوة قبيلته الكبيرة قريش بكل بطونها، فما كان من الرسول إلا أن صعد جبل الصفا فجعل ينادي: "يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ، يَا بَنِي هَاشِمٍ"ٍ. كل بطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما الأمر، فجاء -كما يقول ابن عباس في رواية البخاري- أبو لهب وقريش (يذكر أبا لهب خاصة لموقفه في هذا الحدث).



فقال :"أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغْيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟" ومع أن هذا أمر غاية في الخطورة ويحتاج إلى رويّةٍ وتثبُّت، إلا أنهم قالوا: نَعَمْ؛ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا. فقال : "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ".



أي: إذا كنتم تصدقون إنذاري لكم بخيلٍ وأعداء، فيجب أن تصدقوا إنذاري لكم بعذاب شديد إذا بقيتم على ما أنتم عليه من عبادة الأوثان، وتحكيمها في حياتكم.



وكان موقف أبي لهب هو أن قال: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فنزل قوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1].



كانت التقاليد وأعراف المجتمع هي التي منعت أبا طالب من الإيمان، وكان الذي منع أبا لهب من الإيمان هو الجبن، والجبن الشديد، فهو الذي قال: "ليس لنا بالعرب من طاقة". ليس لنا قدرة على تغيير المألوف، ولا يمتنع أبو لهب أن يقف بجوار القوي وإن كان مخالفًا للحق، كما أنه لا يمتنع عن خذلان ابن أخيه والتكذيب بالحق الذي جاء به طالما هو في موقف الضعيف كما يتراءى له، وإن كان من أقاربه ومن عشيرته، وهذا هو الذي أرداه فجعله من الأخسرين.



وهكذا نرى التدرج الواضح في أمر الدعوة والذي قام به رسول الله ، فقد دعا الأقارب أولاً، ثم قريشًا، ثم عامة الناس.



ومع الأمر الإلهي: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ} [الحجر: 94] يكون قد وضح أمران من المفترض أنهما سيظلان متلازمين في هذه المرحلة، التي تسمى مرحلة جهرية الدعوة، وهما:



الأمر الأول: إعلان الدعوة للناس عامة، مع خطورة هذا الأمر.



الأمر الثاني: الإعراض عن المشركين، بمعنى عدم قتالهم، وهذا يحمل في طياته أن المشركين سيحاولون قدر استطاعتهم أن يوقفوا مد هذه الدعوة، وعلى الرسول في هذه الفترة أن يتجنب الصدام مع الكفر، حتى ولو حدث كيد وحدث تعذيب، بل لو حدث قتل، فهذه ظروف مرحلة معينة دقيقة جدًّا تمر بها الدعوة.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:00 pm

العرب قبل الإسلام


الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام

الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلامرغم إيمان العرب بالله إلا أنهم اتخذوا إليه شفعاء ووسطاء وقالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللهِ زُلْفَى} [الزُّمر: 3]. وبمرور الأيام أصبحوا يعتقدون أنّ هذه الأصنام "الشفعاء" تملك قدرة ذاتية على النفع والضر والخير والشر، فأصبحوا يتوجهون إليها بعبادة مباشرة.



وقد كان لكل مدينة صنم، بل كان لكل قبيلة صنم، فمكة -مثلاً- كان أعظم أصنامها (هُبُل)، بينما كان (اللاّت) أعظم أصنام الطائف، وهكذا.



وكان لكل بيت صنم، وأصبحت تجارة الأصنام لها تجار وصناع، وقد امتلأت الكعبة بالأصنام حتى بلغ عددها ثلاثمائة وستين صنمًا من مختلف الأنواع والأشكال، ومن أعجبها (إساف) و(نائلة) وهما: رجل وامرأة من اليمن زنيا بالبيت الحرام فمسخهما الله أحجارًا، ومع مرور الزمن عبدهما الناس، ووضعوا أحدهما على الصفا، والآخر على المروة، إلى هذا الحد بلغت سفاهتهم!!



وعن كيفية صناعتهم لهذه الأصنام، يروي البخاري عن أبي رجاء العطاردي -وهو من التابعين رغم معاصرته للرسول ؛ لأنه اتبع مسيلمة الكذاب ثم رجع وآمن مرةً أخرى بعد وفاة الرسول - يقول: "كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جَثِيرَةً مِنْ تُرَابٍ (كوم من تراب)، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ".



وكان عمرو بن الجموح يعبد في جاهليته صنمًا من خشب صنعه بيده.



ولننتبه! فهؤلاء هم الذين سيصبحون بعد ذلك أعظم علماء في الأرض، وأعظم فاتحين لها، وأعظم مجاهدين فيها، وأعظم دعاةٍ على ظهرها، ثمّ سيكونون بعد ذلك أسبق أهل الأرض إلى الجنة؛ وذلك حتى ترى عظمة هذا الدين وإعجازه في تغيير الشخصيات.


الحالة الأخلاقية عند العرب قبل الإسلام

الحالة الأخلاقية عند العرب قبل الإسلامشناعة الأدواء الأخلاقية المتفشية في جزيرة العرب:

(أ) تفشي شرب الخمر لأبعد درجة، حتى كتبت فيه أشعار تصفه، وتصف مجلسه بأدق التفاصيل، مع أنه كان يؤدي إلى كثير من النزاعات بين الناس.



(ب) تفشي الميسر أيضًا بصورة واسعة، وكثيرًا ما أورث الناس البغضاء والشحناء، لذا يقول الله I: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91].



(جـ) كما كان الربا عندهم من المعاملات الأساسية وقالوا: {إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} [البقرة: 275].


النكاح في الجاهلية

كان للزنا صور بشعة في المجتمعات العربية قبل الإسلام، وتصف ذلك السيدة عائشة -رضي الله عنها- كما جاء في صحيح البخاري، فتقول: "النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء:



* فنكاح منها نكاح الناس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها.



* ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها: أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعلون ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح هو نكاح الاستبضاع (وتخيلوا أن رجلاً يفقد مروءته وغيرته، فيرسل زوجته إلى هذا الفعل الشنيع).



* ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ويمرّ عليها ليالٍ بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع منه الرجل.



* ونكاح رابع يجتمع الناس الكثير، فيدخلون على المرأة، لا تمتنع ممَّن جاءها، وهنّ البغايا كنّ ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا (الرايات الحمر)، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها، ودعوا لها القافة (الرجال الذين يستطيعون تمييز الوالد للولد عن طريق الشبه) ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاط به (التصق به) ودُعي ابنه لا يمتنع من ذلك.



فلما بعث محمد بالحق، هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم.


وأد البنات قبل الإسلام

وهي عادة بشعة غاية البشاعة، ومعناها: دفن البنت حيةً، وكان هذا الوأد يفعل لأسباب كثيرة أهمها:



* خشية الفقر؛ لذا قال تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء: 31].



* خوف العار.



* العيوب الخلقية أو اختلاف اللون، كمن ولدت سوداء.



*ادعاؤهم أن الملائكة بنات الله -سبحانه عما يقولون- فقالوا: ألحقوا البنات به تعالى، فهو أحق بهن، يقول سبحانه: {وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التَّكوير: 8، 9].



وحتى الذي لم يكن يئد ابنته كان يحزن حزنًا شديدًا إذا ذكروا له أنه رزق ببنت: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58، 59].



وكانوا يئدون البنات أحيانًا وهن يعقلن، وفي بعض الأحيان كانوا يلقوهن من شاهقٍ. روى البخاري في صحيحه عن عبد الله مسعود أنه سأل رسول الله فقال: "أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ".


الحالة السياسية عند العرب قبل الإسلام

وتتمثل في العصبية والحروب المستمرة بين القبائل.. لقد كانت الإغارة على الغير عادة عند بعض القبائل، يظهر ذلك قول الشاعر:

وَيَوْمًا عَلَى بَكْـرٍ أَخِينَا *** إِذَا لَمْ نَجِـدْ إِلاَّ أَخَـانَا



فقد كانت الحروب تشتعل لأتفه الأسباب، ويتساقط الضحايا بالمئات والآلاف، فهذه حرب البسوس سببها أن رئيس قبيلة بني بكر ضرب ناقة امرأة من تغلب تسمى البسوس بنت منقذ، حتى اختلط لبنها بدمها، فقتل رجل من تغلب رجلاً من بني بكر، فدارت حرب بين القبيلتين استمرت أربعين سنة حتى كادتا تفنيان.



حرب داحس والغبراء: اسمان لفرسين دخل صاحباهما سباقًا، لطم أحدهما فرس الآخر على وجهه، ليمنعه من الفوز، فقامت حرب بين القبيلتين قتل فيها الألوف.



انظر خريطة متحركة توضح العالم فى عصر البعثة النبوية


نور الإسلام

نور الإسلامهكذا كان الوضع في مكة المكرمة، ولم يكن هناك أحد على الدين الصحيح إلا أقل القليل، مثل زيد بن عمرو بن نفيل والد سعيد بن زيد ، وكان حنيفيًّا على ملة إبراهيم ، وكذلك ورقة بن نوفل، وكان قد تَنَصّر، كما كان هناك قس بن ساعدة، وكان يبشر بمجيء نبيٍّ، وقد أدرك النبيّ فعلا، ولكنه لم يدرك البعثة.



ترون حال الأرض على اتساعها قبل زمان البعثة، كما ترون الانهيار الشديد في الأخلاق والقيم والعادات والعلاقات والعقيدة وكل شيء، ظلمات بعضها فوق بعض.



تستطيع الآن أن تدرك فعلاً قيمة النور الذي أنزل الله على الأرض ببعثة الرسول الحبيب محمد {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15، 16].



الأرض كانت تحتاج في هذا التوقيت إلى الإسلام، تحتاج إلى وحي السماء، تحتاج إلى الهداية إلى الطريق المستقيم في زمان تشعبت فيه طرق الضلال حتى استحال حصرها، كان هذا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، فماذا عن حالنا الآن؟



هل الأرض في زماننا الآن تحتاج إلى الإسلام كما كانت تحتاج إليه قبل بعثة الرسول ؟ أم أن حال الأمم المختلفة في الأرض الآن لا يحتاج إلى تقويم إلهي، وتعديل ربّاني، وهداية سماوية، وشريعة إسلامية؟



هذا ما سنعرفه في المقال القادم إن شاء الله.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:01 pm

سلاح التعذيب والتنكيل بالمسلمين

في محاولات جادة لإيقاف المد الإسلامي بدأ كفار مكة يأخذون خطوات عملية ومتدرجة في سبيل ضمان تحقيق نتائج حاسمة وسريعة، كانت المرحلة الأولى من مراحلهم في صد الدعوة الإسلامية ووقف المد الإسلامي هي مرحلة المحاولات السلمية التي تحدثنا عنها في المقالات السابقة، وأعقب المحاولات السابقة محاولات أخرى من نوع آخر تتناسب وطبيعة المرحلة الجديدة التي يعيشها المسلمون، خاصةً أنه ورغم ما تقدم كانت قد زادت حركة الدعوة في مكة، وقويت شوكة المسلمين وكثر عددهم نسبيًّا، وهنا شعر أهل الباطل أن الأمر من الممكن أن يتفلت من أيديهم، فأقدموا على تنازلات كبيرة للمسلمين.


مفاوضات ومساومات

أمام قوة ناشئة تكبر أمام أعينهم يوما بعد يوم، أقدم أهل الباطل في مكة على عقد مفاوضات ومساومات مع رسول الله في محاولة للالتقاء -كما يقولون- في منتصف الطريق، وكما يقول تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]. فكان أن قدموا اقتراحين:


- الاقتراح الأول

وهو اقتراح سفيه جدًّا من حكماء قريش، طالبوا فيه بعمل عبادة مشتركة، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه!!



ويُعدّ هذا مفهومًا مغلوطًا تمامًا عن الألوهية والعبودية، وتفكير طفولي وسطحي ساذج من حكماء قريش؛ إذ يعني أن نعبد عشرة أو عشرين إلهًا، لعل الصحيح أن يكون من بينهم!


- الاقتراح الثاني

وكان على ذات المستوى من السطحية، وقد تقدم به بعض المشركين يريد أن يكون هناك ما يسمى بعبادة التناوب.



وهذا يعني أن يعبدوا إله محمد عامًا، ثم يعبد هو إلههم عامًا آخر وهكذا. وهنا نزل قول الله يقطع الطريق تمامًا على مثل هذه المفاوضات الطفولية: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 1- 6].



وهي المرة الوحيدة التي خاطب فيها الله الكافرين بقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}؛ وذلك ليقطع السبيل تمامًا على كل كافر من شأنه أن يساوم المؤمنين على أمر العقيدة، ومن ثَمَّ فقد أغلق الباب تمامًا على هذه المفاوضات الهزلية.


سلاح الضعيف والتنكيل بالمؤمنين

بعد ما سبق لم تجد قريش إلا أن تلجأ إلى السلاح المعتاد في أيدي أهل الباطل، وهو ملجأهم ومفزعهم حين يجدوا صلابة في الصف المؤمن، إنه سلاح الإيذاء والتعذيب والتنكيل.



ولا شك أن هذا السلاح هو سلاح الضعفاء، وليس كما يظن البعض أن القوة كما هي ظاهرة في أيديهم وأنهم أقوى من المسلمين؛ إذ إنهم يخفون وراء سيوفهم ووراء سِياطهم يخفون ضعفًا شديدًا في نفوسهم، يخفون ضعفًا في العقيدة، وضعفًا في الإيمان، وضعفًا في الحجة والبرهان، وضعفًا في الحكمة والرأي، وضعفًا في الضمير، وضعفًا في الأخلاق.



وإن سلوك التعذيب والبطش والظلم والإجرام هو منطق من لا منطق له، ولا نتخيل -مجرد التخيل- كيف لإنسان -أي إنسان- أن تقبل نفسه أو تقبل فطرته أن يرى إنسانًا يعذب أمامه، أو يشارك هو في تعذيبه، أو يأمر هو بتعذيبه! كيف انحطت البشرية إلى هذا المستوى المتدني من فساد الفطرة؟!



إن الإنسان السويّ يكاد ينخلع قلبه حين يرى حيوانًا يتألم، فكيف بالإنسان؟! كيف لإنسان أن يصلب إنسانًا ثم يلهب ظهره بالسياط؟! كيف لإنسان أن يحبس إنسانًا بلا جريرة ولا ذنب؟!



وإذا كان الإسلام قد حرّم على الإنسان أن يحبس هرة، فكيف بحبس الإنسان مع ما يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة في المال والأهل والولد نتيجة هذا الحبس الجزافي الجائر!!



وقد حرم الإسلام على الإنسان أن يقذف طائرًا بحصاة قد لا تؤثر فيه لدرجة القتل؛ وذلك لما في هذا من تعذيب للطائر، وحرم الإسلام على الإنسان أن يشق على الحيوان في ذبحه؛ حيث قال : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ".



هذا مع الحيوان الذي يذبح، فكيف بمن يصلب إنسانًا ثم يُلهب ظهره بالسياط؟! كيف بمن يُطفئ في جسد إنسان أعواد وأسياخ النار؟! كيف بمن يقلع أظافر إنسان وهو ينظر إليه، عينُه في عينِه؟!



كيف بمن يحبس إنسانًا أيامًا وشهورًا بل وسنوات، مع كل ما يترتب على ذلك من أحداث وآلام لأسرته (زوجته وأولاده وأمه وأبيه) بلا جريرة ولا ذنب إلا كما قال الله : {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ} [البروج: 8].



ومهما كان من أمر فقد قست قلوب الكافرين وانطلقوا يفترسون المؤمنين والمؤمنات في نقطة سوداء في تاريخ البشرية كلها، حدثت في مكة وتتكرر اليوم وإلى يوم القيامة، يصدق فيهم قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74].


قصة بلال بن رباح وأمية بن خلف

بلال وأَحدٌ أحدٌ، كان ممن تلظى بسلسلة مضنية من التعذيب وعلى يد أمية بن خلف. بلالُ بن رباح ، حيث ذاق تعذيبًا بدنيًّا ومعنويًّا لا يكاد ينقطع.



- كان أمية بن خلف يضع في عنقه حبلاً، ثم يأمر أطفال مكة أن يسحبوه في شوارعها وجبالها، حتى كان يظهر أثر الحبل في عنقه.



- كان أيضًا يمنع عنه الطعام حتى يكاد يهلك جوعًا.



- وكان يأخذه إذا حميت الظهيرة فيطرحه على الصخور والرمال الملتهبة في صحراء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة لا يقوى على حملها إلا مجموعة من الرجال، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.



ألم، وجراح، ودماء، وفي ذات الوقت كان من بلال صبر، وعزم، ويقين، بل وأمل في أن هذه -ولا شك- دورة سريعة من دورات الباطل، لا محالة تسلم الراية بعدها وفي النهاية للمؤمنين.



كانت توجعات وآهات بلال في كل ذلك ليست إلا: أحدٌ أحدٌ.



وحين سُئل: لماذا هذه الكلمة بالذات؟! أجاب: لأنها كانت أشد كلمة على الكفار، فكان بلال بن رباح يريد أن يغيظهم بها.



وفي صبر عجيب ظل بلال في هذا التعذيب حتى اشتراه أبو بكر الصديق ثم أعتقه بعد ذلك. ومرت الأيام ونُسي الألم، ولكن بقي الأجر، فكانت قاعدة: يذهب الألم ويبقى الأجر إن شاء الله.


صبرًا آل ياسر

كان ياسر وزوجه سمية -رضي الله عنهما- والدا عمار بن ياسر ، قد دفعهما القدر لأن يقعا تحت يدي رأس الكفر نفسه، أبي جهل لعنه الله، فعذبهما أبو جهل تعذيبًا شديدًا، وقد زاد العذاب وتجاوز الأمر الحدود حتى وصل إلى إزهاق أرواحهما، فقُتل ياسر، وقُتلت سمية رضي الله عنهما، قُتِلا في بيت الله الحرام جرَّاء التعذيب والتنكيل.



ما ذنبهما أن يعذبا حتى تزهق أرواحهما؟! بأي ذنب قتلا؟! أريد أن يجيبني كل من سَلّح يده بكرباج أو سياط، ما ذنبهما؟! ما جريرتهما؟! اللهم ليس إلا {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56].



ومن أرض مكة إلى روضة من رياض الجنة كان قد طمأنهم رسول الله بقوله: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ".



ستمر الأيام سريعًا، وستمر أيام القبر، قُتل ياسر وقُتلت سمية، ومن بعدهما قُتل أبو جهل، وترى من الفائز في النهاية؟ القاتل أم المقتول؟



سيأتي يوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، في هذا اليوم سيأتي كل الذين عذبوا المسلمين على مر العصور، يغمسون غمسة واحدة في نار جهنم، من بعدها بل وفي أثنائها سيكتشف هؤلاء الهمجيون -أمثال أبي جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة، وغيرهم ممن سار على نهجهم- أن العذاب الذي جربوه في الدنيا على غيرهم على عظمه ليس إلا أمرًا يسيرًا هيّنًا، بل لا يكاد يعدل شوكة.



غمسة واحدة في نار جهنم ستنسيهم سعادة الدنيا جميعًا، فما البال بالخلود! وما الخطب بالعذاب المقيم في جهنم!



وفي نفس الوقت سيأتي بلال وياسر وسمية ومن سار على نهجهم، والذين عُذبوا في سبيل الله، سيأتي هؤلاء ويغمسون غمسة واحدة في الجنة وسوف ينسون شقاء الدنيا كلها.



أي جهل وغباء وحماقة يعاني منه أولئك المعذِّبون لغيرهم؟! {أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} [المطففين: 4، 5]، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].



في أي شرع، وفي أي ملة، وفي أي قانون يُعذب الإنسان للاعتراف بشيء ما، سواءٌ أكان فعله أم لم يفعله؟



لكن هذا ما كان يحدث في مكة، وهذه هي سنة الحياة.


خباب بن الأرت وظهر مليء بالحُفَر

صورة مشرقة أخرى من صور الصبر على التعذيب، كان قد رسمها خباب بن الأرَتّ . فقد كان المشركون يجرونه من شعره ، وكانوا يضعونه على الفحم الأحمر الملتهب، ثم يضعون الصخرة العظيمة على صدره حتى لا يستطيع أن يقوم.



وظل خباب بن الأرت على هذا الحال حتى صار ظهره مليئًا بالحفر من الفحم الملتهب الذي كانوا يطرحونه عليه.



صبر خباب وتحمل وما بدَّل وما غيَّر؛ فالطريق طويل وشاق، ولكن يذهب الألم ويبقى الأجر إن شاء الله.



كما حدث مع سمية حدث أيضًا مع زِنِّيرة والنهدية وابنتها وأم عبيس، رضي الله عنهن أجمعين. وقد تحولت مكة إلى سجنٍ كبير تهان فيه الإنسانية، ويرتع فيه وحوش الكفر.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:02 pm

قصة إسلام سلمان الفارسي


قصة إسلام الصحابي سلمان الفارسي

قصة إسلام الصحابي سلمان الفارسيكان وضع العالم -كما وضحنا في المقالين السابقين- في انحلال وشيوعية دينية وظلم واضطهاد وغش وخداع حتى من رجال الدين والكهنة أنفسهم، ونذكر هنا قصة سلمان الفارسي ؛ ليس للتسلية كما يحلو للكثيرين، ولكن لنرى كيف كان الوضع في فارس والشام والمدينة ومكة، وبالتالي دول الحضارة في ذلك الزمن الغابر.



يوضح ذلك حديث سلمان الفارسي كما جاء في مسند الإمام أحمد، عن عبد الله بن العباس -رضي الله عنهما- قال: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ حَدِيثَهُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا جَيٌّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ -أَيْ مُلاَزِمَ النَّارِ- كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَأَجْهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا لاَ يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً، قَالَ: وَكَانَتْ لأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ.



قَالَ: فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانٍ هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا. وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لاَ أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلاَتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ.



قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إلى أَبِي وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ. قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ:يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ. قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ. قَالَ: قُلْتُ: كَلاَّ وَاللَّهِ إِنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ. قَالَ: وَبَعَثَتْ إِلَيَّ النَّصَارَى، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ.



قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى. قَالَ: فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إلى بِلاَدِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إلى بِلاَدِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلَيَّ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ، حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: الأَسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدُمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ. قَالَ: فَادْخُلْ. فَدَخَلْتُ مَعَهُ. قَالَ: فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمَعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِهِ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلاَلٍ مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ.



قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ. قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ. قَالَ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلاَلٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا. قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا، قَالُوا: وَاللَّهِ لاَ نَدْفِنُهُ أَبَدًا. فَصَلَبُوهُ ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ. قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً لاَ يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ وَلاَ أَدْأَبُ لَيْلاً وَنَهَارًا مِنْهُ.



قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَهُ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مَنْ قَبْلَكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ رَجُلاً بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلاَنٌ فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ.



قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنَّ فُلاَنًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ. قَالَ: فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنَّ فُلاَنًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ اللَّهِ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلاً عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلاَّ بِنَصِيبِينَ، وَهُوَ فُلاَنٌ فَالْحَقْ بِهِ.



قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ، فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنَّ فُلاَنًا كَانَ أَوْصَى بِي إلى فُلاَنٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلاَنٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلاَّ رَجُلاً بِعَمُّورِيَّةَ فَإِنَّهُ بِمِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ. قَالَ: فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا.



قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلاَنٍ فَأَوْصَى بِي فُلاَنٌ إلى فُلاَنٍ وَأَوْصَى بِي فُلاَنٌ إلى فُلاَنٍ ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلاَنٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ، يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إلى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلاَمَاتٌ لاَ تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلاَدِ فَافْعَلْ.



قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، فَمَكَثْتُ بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إلى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي الْقُرَى، ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي وَلَمْ يَحِقْ لِي فِي نَفْسِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إلى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لاَ أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إلى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ وَسَيِّدِي جَالِسٌ، إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ فُلاَنُ: قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُمْ الآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ.



قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي. قَالَ: وَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟ مَاذَا تَقُولُ؟ قَالَ: فَغَضِبَ سَيِّدِي، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا، أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: لاَ شَيْءَ، إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَ عَمَّا قَالَ.



ثم كانت له قصة إسلام لطيفة مع رسول الله ليس المجال الآن لذكرها.


العبرة من قصة سلمان

الشاهد من القصة أن بقاع النور في الأرض كانت محدودة جدًّا جدًّا، فهي لم تكن مدنًا ولا قرى، بل كانت أفرادًا بعينهم.



سلمان يقطع المسافات والمسافات بحثًا عن رجل واحد من أصبهان إلى الشام إلى الموصل إلى نصيبين إلى عمورية إلى الرِّقِّ في وادي القرى، ثم إلى الرِّقِّ في المدينة إلى أن جاء رسول الله .



ولو رضي سلمان بحاله في بلاد فارس لظل إلى آخر حياته جليسًا للنار يشعل فيها كلما خبت، فأي وقتٍ كان سيضيع وأي عمر كان سيهدر!



لكنّ سلمان لمّا أسلم أصبح من أعظم رجال الأرض، بل ارتفع به رسول الله إلى أعلى الدرجات، فقال في حقه: "سَلْمَانُ مِنَّا آلَ الْبَيْتِ".



هكذا كان الوضع العالم كما تصوِّره لنا قصة الباحث عن الحقيقة سلمان الفارسي.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:03 pm

أوضاع العالم الآن

الوضع في أمريكا
الجرائم الأخلاقية

المعدل القومي للزنا تحت 18 سنة هو 55%، حيث يصل في المدن إلى 80%، وفي القرى إلى 33%.



350 ألف حالة حمل بدون زواج في السنة (المعدل أعلى من ذلك، لكنه لا يظهر بسبب الإجهاض).



المعدل القومي للعائلات بأم وبلا أب هو 23%، ويرتفع في المدن إلى 34%.



نشرت وزارة العدل الأمريكية في يونيو 1994م تقريرًا خطيرًا حول معدلات الاغتصاب جاء فيه: عدد الفتيات المغتصبات بالإكراه كان عشرة آلاف فتاة منهن 3800 تحت 12 سنة، ولكن المرعب في التقرير -حقًّا- هو ما يلي:



20% من الفتيات اغتصبن بواسطة آبائهن.



26% اغتصبن من قِبَل أقارب لهن.



51% اغتصبن بواسطة معارف وأصدقاء العائلة (مشاكل الاختلاط الماجن).



4% اغتصبن مِن قِبَل مجهولين.


العنف في أمريكا

لا للعنف200 ألف طفل يخطف سنويًّا في أمريكا عن طريق أقارب الطفل.



58 ألف طفل يخطف سنويًّا عن طريق أغراب.



40% من هؤلاء يتم قتلهم.



تزداد معدلات الجريمة طرديًّا بزيادة محلات بيع الخمور في المدن.



الانتحار: 32 ألف حالة في السنة.


الحروب الأمريكية

* قنبلة هيروشيما ونجازاكي في 6 و9 أغسطس 1945م أهلكت 250 ألف من البشر، وجرح أكثر من 100 ألف، وإشعاع ما زالت له آثار إلى يومنا هذا.



* وقبلها في يوم 9 و10 مارس 1945م إسقاط قنابل النابالم الحارقة بواسطة طائرات بـ 29 على طوكيو، ومقتل 80 ألف ياباني مدني.



* الحرب الكورية سنة 1950م: دخلت فيها أمريكا تحت مظلة الأمم المتحدة إلى جوار كوريا الجنوبية ضد كوريا الشمالية والصين. وقد قدِّرت خسائر كوريا الشمالية والصين بمليون ونصف مليون من العسكريين، ومليون مدني، وقامت أمريكا بتدمير 40% من المنشآت الصناعية المدنية الكورية الشمالية، وكذلك 30% من المساكن.



* الحرب الفيتنامية (1963- 1975م): أعنف حرب إبادة في التاريخ، حيث فني معظم شعب فيتنام في الحرب، حيث قتل الأمريكان منه من (3 - 4) ملايين قتيل، وقتل من الأمريكان 59 ألفًا، كما استخدمت أمريكا الأسلحة المحرمة دوليًّا ضد المدنيين، مثل: النابالم والفوسفور الأبيض.


الوضع في أوربا

نسبة الأطفال غير الشرعيين كالتالي: السويد 50% - إنجلترا 33% - فرنسا 33%.



وقد شهدت فرنسا سنة 1997م احتفال الرئيسي الفرنسي جاك شيراك بحفيده غير الشرعي من ابنته.



- في إنجلترا:

65% من الشباب بين (16- 19 سنة) يمارسون الجنس خارج حدود الزواج.



53% من الشباب بين (16 - 19 سنة) مدمنون للخمر.



170 فتاة تحت 17 سنة تحمل سفاحًا كل أسبوع.


الوضع في روسيا

- إنكار وجود الإله بالكلية.



- الشيوعية الفاسدة التي أثبتت التجربة فشلها التام لتناقضها مع الفطرة (مثل قوانين مزدك الفارسي).



- جرائم وحشية للروس في أفغانستان والشيشان وداغستان وغيرها من الدول الإسلامية.



- جرائم الإبادة الجماعية: قتل لينين ثمانية ملايين، وقتل ستالين عشرين مليونًا.



- نقصت أعداد الروس أربعين ألفًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2002م، والسبب إدمان الخمور.


الوضع في إفريقيا

- 13 مليون إنسان يهددهم الموت بالجوع في ست دول بالجنوب الإفريقي، إضافة إلى مليون في إثيوبيا.



- 600 مليون في إفريقيا دخلهم اليومي أقل من نصف دولار.



- في إفريقيا خمسة ملايين لاجئ.



- ديون إفريقيا 370 مليار دولار، وهي تعادل 65% من إجمالي إنتاج الدول الإفريقية.



- ينتشر مرض الإيدز في إفريقيا بشكل رهيب، فعلى سبيل المثال: 23% من جنود جيش جنوب إفريقيا مصابون بالإيدز (هذا تقرير وزارة الدفاع في جنوب إفريقيا، أما أرقام المعارضة فتقول: إن النسبة 60%).


الوضع في العالم بصفة عامة

- قتل الإيدز 22 مليون إنسان على الأرض منذ اكتشف وإلى سنة 2002م، إضافةً إلى 37 مليونًا من الحاملين للمرض، وموتهم مؤكد (أي 59 مليون ضحية مرض أخلاقي).



- 79% من سكان العالم دخلهم أقل من دولار يوميًّا.



- الحرب العالمية الأولى: ثمانية ملايين قتيل، و21 مليون جريح.



- الحرب العالمية الثانية: من 50 - 60 مليون قتيل.



- نسبة المنتحرين تزيد كل سنة في السنوات الخمس الأخيرة، بدءًا من 1997م وإلى الآن.



- عدد المنتحرين في اليابان سنة 2002م بلغت 31 ألف حالة.



- 6.4 مليون إنسان في كوريا الشمالية مهددون بالموت جوعًا، ويعيشون على الأعشاب والطحالب.


أوضاع العالم الإسلامي

تقسم الأمم المتحدة العالم إلى سبع مناطق رئيسية، العالم العربي هو إحدى هذه المناطق، ويأتي العالم العربي في المرتبة الأخيرة من حيث الحريات المتاحة، والحقوق السياسية، واستقلالية الإعلام (تقرير الأمم المتحدة سنة 2002 م، ونشر بالأهرام).


انتشار الفواحش

- ارتفاع الزنا لمعدلات غير مسبوقة، وكذلك الإصابة بالأمراض الجنسية، وعدد الخيانات الزوجية.



- الزواج العرفي داخل بعض كليات الجامعة وصل إلى 24%.



- أصبحت الأفلام والمسرحيات والإعلانات تعتمد اعتمادًا رئيسيًّا على إثارة الشهوات.



- صارت الإعلانات عن الرقص والراقصات، وملاهي الرقص شيئًا عاديًّا، لدرجة أن إحدى المجلات الأسبوعية التي اشتهرت بحربها على الإسلام نشرت مقالاً عن بعض الراقصات التائبات اللاتي اعتزلن الرقص، وأعلنت المجلة بوقاحة أنها لا تدري معنى أن تتوب الراقصة عن الرقص، لماذا؟ أجاب المحرر: وهل الرقص ذنب يتاب منه؟!



- صارت الخمور تباع علانية في كثير من البلاد الإسلامية، بل إني قرأت بحثًا في مجلة قومية تعلن فيه إحدى شركات الخمور القومية بفخرٍ أنها تنافس شركة قومية أخرى في إنتاج الخمر، وأنه نتيجة هذا التنافس الشديد ارتفع الأداء إلى الدرجة التي قللت جدًّا من استيراد الخمور (يعني بحمد الله حققنا الاكتفاء الذاتي من الخمر).


العنف

أصبح العنف في العالم الإسلامي ظاهرة خطيرة ليس من حيث عدد الجرائم فقط، بل من حيث نوعها وقسوتها وبشاعتها فعلى سبيل المثال:



* أب يقتل زوجته وأطفاله الخمسة عن طريق الإغراق في برميل وعن طريق الذبح.



* شاب يقتل والديه وأخاه في مجزرة عائليّة بشعة.



* زوجة تقتل زوجها، ولا تكتفي بذلك، بل تقطعه في أكياس وتضعها تحت السرير ثم تنام فوق السرير، وتستغرق في النوم!!



- حوادث القتل بعد الاغتصاب أكثر من أن تحصى.



- جرائم الثأر قد تحصد عائلات بأكملها، لا تفرق بين مجرم وبريء، ولا بين كبير وصغير.



- تردي التعليم بصورة مريعة، وارتبط بالجريمة بشكل واضح (فدراسة سنة 2002م تقول: إن 85% من المجرمين غير متعلمين).


الفساد المالي البشع

- هروب بالمليارات، وتسهيلات بدون ضمانات في بنوك كثيرة، ومصائب اقتصاديّة وانهيار لقيمة العملة في بلاد كثيرة.



- انتشار الرشوة وتعميم الوساطة، وتوسيد الأمر لغير أهله.


الانحلال الديني

- ظهرت جماعات شنيعة تزدري الأديان حتى وصلت إلى عبادة الشيطان! إن الشيطان نفسه لم يكن يحلم يومًا أن يعبد من دون الله تعالى!!



روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُ قَدْ رَضِيَ مِنْكُمْ بِمَا تَحْقِرُونَ".


السيطرة الأجنبيّة

انتشار الوجود العسكري الأجنبي في العالم الإسلامي: فلسطين والشيشان، وكشمير والعراق، وكوسوفو، والبوسنة، وأفغانستان، والتركستان الشرقيّة، وداغستان، والهند.



- الحصار الاقتصادي للعراق وليبيا والسودان وغيرها.



- أكثر من مليون مسلم ضحايا المذابح الإجراميّة التي يقوم بها الهندوس ضد مسلمي الهند.



- حملات التنصير في إندونسيا والهند والصومال وكينيا وغانا ومدغشقر.



- حملات الإبادة في الفلبين وبورما وأوغندا وغيرها.


كل ذلك بينما تنشغل الجيوش الإسلاميّة في صراعات داخليّة:

* خلاف بين مصر والسودان على حلايب.



* خلاف بين ليبيا وتشاد على شريط أوزو.



* خلاف بين المغرب والجزائر على الصحراء الغربية.



* خلاف بين السنغال وموريتانيا على نهر السنغال.



* خلاف بين السعودية واليمن على إقليم عسير.



* خلاف بين الإمارات وإيران على جزيرة أبي موسى.



* خلاف بين سوريا وتركيا حول لواء الإسكندرونة.



* خلاف بين أرمينية وأذربيجان حول إقليم كارباخ.


إذن.. وماذا بعد؟

القران الكريمألا تشعرون أن العالم بأسره وليس العالم الإسلامي فقط يتجه إلى هاوية سحيقة؟



ألا تشعرون أن المسلمين بحاجة إلى الإسلام؟



بل ألا تشعرون بحاجة غير المسلمين إلى الإسلام؟



ألا تشعرون بحاجة أمريكا وأوربا وآسيا وإفريقيا إلى هذا الدين؟



لقد وصلت الأرض إلى حالة من التردي والضياع قبل البعثة النبويّة الشريفة حتى عبّر رسول الله عنها بأن الله قد نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم جميعًا إلا بقايا أهل الكتاب.



وأخشى أن تكون الأرض من جديد قد وصلت إلى حالة من التردي والضياع، حتى يمقتها ربها إلا بقايا من المؤمنين.



نحن نحتاج بعثة جديدة كما كانت الأرض تحتاج قبل رسول الله ، لكن ليس هناك نبيّ بعد رسول الله وليس هناك دين بعد الإسلام، فمن يحمل الراية إن لم نكن نحن؟! ومن يعلِّم الناس إن لم نكن نحن؟!



لقد فَقِهَ رِبْعيّ بن عامر هذه الوظيفة جيدًا، فعبّر عنها في عمق شديد، قال: لقد ابتعثنا الله (ولاحظ استخدام كلمة ابتعثنا فنحن نقوم بمهمة الأنبياء) لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.



إذا كنا نحن الجيل الذي يفقه حقيقة هذه الوظيفة الكريمة الشريفة، ويسير في خطوات الرسول الخاتم في بناء أمته وفي دعوة الأمم إلى الدين النقي الخالص، إذا كنا نحن هذا الجيل فسوف نصل إن شاء الله، وسوف نستفيد من دراسة حياة الرسول أعظم استفادة.



أما إن لم نكن نحن هذا الجيل، فلنحذر التحذير الإلهي الشديد {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38].



وبهذه النظرة المدركة لقيمة هذا الدين في حياة الأرض كلها، سنبدأ في فقه سيرة الحبيب .
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:03 pm

التفكير في الهجرة إلى الحبشة


بعد التعذيب الشديد للمسلمين في أرض مكة وفي بيت الله الحرام، وبعد أن تفرغ الكفار لحرب المؤمنين، كان قد بدا واضحًا أن النية هي الاستئصال، فماذا يحدث لو هلك المؤمنون؟! وماذا يحدث لو هلكت هذه العصابة، وتلك الطائفة الوحيدة التي تعبد الله حق العبادة على الأرض؟!



فكانت مسئولية ضخمة تقع على عاتق رسول الله وعلى عاتق أتباعه، وهي الوصول بهذا الدين إلى أهل الأرض جميعًا؛ مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاًَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وكما يقول : "إِنَّمَا بُعْثِتُ لَكُمْ خَاصَّةً وَلِلنَّاسِ عَامَّةً".


التفكير في أمر الهجرة

اشتد التعذيب بالمؤمنين في مكة وكاد المسلمون أن يستأصلوا بالكلية، يظهر حل عملي لإنقاذ الدعوة من الهلاك كنوع من الأخذ بالأسباب، فقد قام الرسول بتخطيط بشري لإنقاذ الدعوة ولإنقاذ المؤمنين.



كان من السهل الميسور أن ينقذ الله حبيبه وينقذ المؤمنين بكلمة كن، أو ينقذهم بمعجزة خارقة للعادة، لكن هذه ليست سنة الله في التغيير، فقام رسول الله ليعلمنا أن نأخذ بأسباب واقعية، هي في يده كبشر، وهي في أيدينا كبشر، فكر رسول الله في وسيلة جديدة لمجابهة طغاة مكة، وتكون في ذات الوقت في مقدور المؤمنين في كل الظروف، ولم يكن في مقدور المؤمنين آنذاك أن يقاتلوا المشركين؛ فقد نهاهم الله عن ذلك {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: 94]. إذن فلتكن الوسيلة الجديدة هي الهجرة، الهجرة من أرض مكة إلى أرض أخرى جديدة ليس فيها تعذيب أو إيذاء، ليس فيها استئصال للدعوة.



كانت هذه خطوة تكتيكية من رسول الله سبقتها إشارات جاءت في القرآن الكريم في هذه الآونة، حيث نزل قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزُّمر: 10].



فأرض الله إذن واسعة، وأعظم قطعة في الأرض هي التي يعبد فيها الله ، لا تفضلها قطعة أخرى بأنهار أو أشجار، أو بأموال أو بأهل أو عشيرة، إنما الأرض الصالحة الطيبة هي الأرض التي يعبد فيها الله ، ومن ثم فكر المسلمون في ترك أشرف بقعة على الأرض (مكة) إلى غيرها؛ لأنهم لا يستطيعون أن يعبدوا الله كما يريدون، فليكن إذن في غيرها، حيث الأهم أن يعبدوا الله دون أن يفتنوا في دينهم.


الهجرة وأصعب قرار

كان قرار الهجرة وترك الديار والعشيرة والأموال والأولاد ليس بالأمر الهين، إنما هو قرار في غاية الصعوبة، وإنما هو قرار يحتاج إلى نفوس خاصة، مع الأخذ في الاعتبار أنهم لم يقصدوا بهذه الهجرة تحسين مستوًى أفضل للمعيشة، أو لجمع أموال ليست في بلادهم، أو لتحصيل علم ليس في مدينتهم، أو للعيش في مكان هادئ أو جميل، إنهم يتركون بلادهم وقد استقرت أوضاعهم فيها لولا قضية الدعوة، يتركونها إلى بلد آخر، قد يكون فقيرًا، وقد يكون بعيدًا، وقد يكون حارًّا أو باردًا، وقد يكون مجهولاً، كل هذا لا لشيء إلا لعبادة الله .



قرار صعب جدًّا، ولنتخيله بمقاييس الحاضر، رجل يعيش مستقرًّا، في بلد هو الأحب إلى قلبه، في مصر أو المغرب أو تونس أو السعودية أو الإمارات، يعيش في بلد مستقر، وأوضاعه مستقرة ثم هو يقرر أن يهاجر مثلاً إلى الصومال كي يعبد الله هناك بعد أن ضُيِّق عليه في بلده. قرار صعب جدًّا، فلو كان سيهاجر إلى بلد أعظم رفاهية أو أكثر أموالاً لكان هذا سهلاً، لكن أن يهاجر إلى بلد لا تهفو النفوس إليها عادةً، فهذا يحتاج إلى جهاد للنفس عظيم.



ومن هنا عظَّم الله كثيرًا من أجر الهجرة عندما تكون في سبيله، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ} [الحج: 58، 59].



لقد هاجر المؤمنون ليس سعيًا وراء الرزق، بل إن ظاهر الأمر أنهم سيفتقدون الرزق؛ وذلك لأنهم سيتركون أعمالهم ويهاجرون إلى بلد قد لا يتوافر فيه العمل المناسب، وهنا يعدهم الله بالرزق الحسن في الجنة، فعلى أسوأ الفروض في حسابات البشر أن هؤلاء المهاجرين سيقتلون أو يموتون، ووعدهم الله - ووعده الحق - أنهم لو قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقًا حسنًا، إضافةً إلى أنه قد عُلم عند المؤمنين أن رزقهم في الدنيا لا ينقص، ستأتيهم أرزاقهم رغمًا عنهم، في بلدهم أو في خارجها، في عمل أو في آخر {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} [الذاريات: 22].


الهجرة حفاظ على الدعوة أم حفاظ على الدعاة؟

في قرار الهجرة قد يثار سؤال مهم، مفاده: هل قرر المسلمون الهجرة للحفاظ على الدعوة أم للحفاظ على الدعاة؟ فهل يُضحَّى بالدعوة من أجل الحفاظ على الدعاة أم يُضحى بالدعاة من أجل الحفاظ على الدعوة؟



وواقع الأمر أن أكثر ما يهم المؤمن في حياته إنما هو الدين، حيث إنه المقصد الأول من مقاصد الشريعة التي جاء الشرع لحمايته، ومن أجل الدين يُضحى بكل شيء، والمؤمنون يبذلون أرواحهم للدفاع عن الدين، لكنهم لا يبذلون دينهم للحفاظ على أرواحهم، بل إن الله حث المؤمنين على بذل أرواحهم حفاظًا على دينهم فقال: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].



وقال أيضًا: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 74].



ومن هنا فقد كان السبب الأول في الهجرة التي قررها رسول الله هو حماية الدعوة، وهذا يعني أن رسول الله أراد أن يجعل للدعوة محضنًا آخر غير مكة، حتى إذا استُؤصل الدعاة من مكة تكون ما زالت هناك طائفة أخرى وفي مكان آخر لاستمرار طريق الدعوة. فكان من الحكمة إذن أن يكون للدعوة أكثر من مركز وأكثر من مكان؛ حتى إذا أغلق واحد منها استمر الآخر وظل في عمله، وكما يقولون: لا تضع بيضك كله في سلة واحدة.



فلم يكن السبب الأول في الهجرة إذن هو الحفاظ على أرواح الدعاة، وإن كان هذا من الأهمية بمكان، ويؤيد هذا الرأي الملاحظات التالية:



الملاحظة الأولى: أن أمر الهجرة كان لفئة خاصة من المؤمنين.

فلقد طُلبت الهجرة من القرشيين ولم تطلب من العَبِيد، أو من الذين كانوا عبيدًا، وقد هاجر الذين يتمتعون بعصبية وقبلية تستطيع أن توفر لهم الحماية، هاجر الأشراف أصحاب المنعة ولم يهاجر الموالي المستضعفون، ولو كان الهدف الأول حماية الأرواح لكان الأولى أن يهاجر هؤلاء الضعفاء، وإن هذا ليجرنا إلى سؤال آخر وهو: لماذا هاجر الأشراف دون البسطاء؟! ولماذا أمر رسول الله الأشراف بالهجرة ولم يأمر العبيد؟!



1- لأن هذا أدعى لحمايتهم؛ فأمر الهجرة أمر جِدُّ خطير، وقد تطارد مكة فوج المهاجرين، وفي لحظات من الغضب والغيظ قد يتهور أهل مكة ويقتلون المهاجرين المطاردين، خاصة إذا كانوا عبيدًا، أما إذا كانوا من الأشراف فإن عملية الهجرة تصبح أقل خطورة من سابقتها؛ حيث إنه لو تم الإمساك بهم فسيحملونهم حملاً إلى مكة، ولن يفكروا أبدًا في قتلهم؛ وذلك لمنعة قبائلهم.



2- أن الأشراف هؤلاء سيكونون أقدر على التأثير في أهل البلد الذي سيهاجرون إليه؛ إذ إنه قد اقتضت طبيعة البشر أنه إذا تكلم الشريف سمعوا له وأنصتوا، وإذا تكلم الضعيف لم يؤبه له، وكان الغرض هو إيصال كلمات الدعوة إلى آذان البلد المضيف، وعرض هذا الأمر بأفضل صورة ممكنة، وفي هذه الحالة أيضًا سيستقبل المهاجرون على أنهم وفد سياسي معارض لسياسة مكة، بدلاً من أن يستقبلوا كمجموعة من العبيد الآبقين من أسيادهم.



3- أن هجرة الأشراف هذه ستؤدي إلى هزة اجتماعية خطيرة في مكة؛ فمثل هذه الهجرة ستفيق أهل مكة على خطورة أفعالهم، فهؤلاء المؤمنون المطاردون هم خيرة أهل البلد، وهم من أكثر الناس سعيًا لإصلاحها، وهم أيضًا من أعرق البيوت، ومن أشرف الناس، ثم ها هم يغادرون البلد لأنهم لم يجدوا فيها أمانًا، فما أبشع فعل أهل الباطل هذا، وما أشنع الجريمة، أهؤلاء هم الذين يطردون؟! أهؤلاء هم الذين يفتنون في دينهم؟!



ومن هنا تكون هجرة الأشراف -ولا شك- صدمة قوية لأهل مكة، قد ينتبهون على أثرها إلى خطئهم الفادح في حق المهاجرين وفي حق بلدهم، أما إنه إذا كان قد هاجر المستضعفون فرد الفعل هو: لا ضير، أليسوا عبيدًا تركوا البلد، فلنأتِ بعبيد آخرين، وهذا ما كان سيفكر فيه الطغاة، ضاربين عرض الحائط اعتبار الآدمية والإنسانية، وبهذا يكون الرسول قد دفع المشركين دفعًا إلى تحريك عواطفهم ومشاعرهم لإدراك مدى الجريمة التي يفعلونها مع المؤمنين في صدهم عن دين الله.



الملاحظة الثانية: طول الفترة التي قضاها المهاجرون في بلد الهجرة.

ومما يؤكد على أن الهجرة إنما كانت لحماية الدعوة هو الفترة التي قضاها المهاجرون في مهجرهم، ولننظر: متى عاد المهاجرون من الحبشة إلى الصف المسلم من جديد؟ هل عادوا في فترة مكة، أم عادوا في فترة المدينة؟



والواقع أن المهاجرين مكثوا في الحبشة حوالي خمس عشرة سنة متتالية، ولم يعودوا إلا بعد أن اطمأنُّوا إلى زوال خطر استئصال الدعوة، فقد هاجر المسلمون هجرتهم الأولى إلى الحبشة في شهر رجب من العام الخامس من البعثة، ثم عادوا سريعًا إلى مكة بعد ثلاثة أشهر كما سيأتي بيانه، ثم هاجروا من جديد هجرتهم الثانية إلى الحبشة في السنة السابعة من البعثة، وقد مكثوا فيها طيلة اثنتي عشرة سنة كاملة، ولم يرجعوا إلا بعد غزوة خيبر.



وقد مرت في هذه الأثناء أحداث في غاية الأهمية والخطورة على المسلمين، ومرت أحداث عظيمة جدًّا في بناء الأمة الإسلامية، ورغم ذلك لم يرجع المهاجرون من الحبشة، ولم يكن ذلك اجتهادًا منهم، بل كان بأمر من قيادة المسلمين المتمثلة آنذاك في رسول الله ، فكانت قد مرت الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، وكان قد مر تأسيس الدولة الإسلامية، وكان البناء صعبًا جدًّا، وكان عدد المسلمين آنذاك قليلاً، وهم في الحبشة قد تجاوزوا الثمانين (كان عدد المهاجرين في بدر هو تقريبًا نفس عدد المهاجرين في الحبشة تجاوز الثمانين بقليل)، ومع ذلك لم يطلبهم رسول الله ، ثم مرت الغزوات العظام؛ مرت بدر، ثم بنو قينقاع، ثم أُحد، ثم بنو النضير، ثم الأحزاب، ثم بنو قريظة، ثم الحدث الكبير والمهم في مسيرة الدولة الإسلامية وهو صلح الحديبية، ولم يطلبهم بعد رسول الله .


دور المهاجرين إلى الحبشة

بعد صلح الحديبية وبعد أن أَمِن المسلمون على أنفسهم، وأصبحوا دولة مهيبة ودولة ذات كيان، حيث باتت تعقد الأحلاف والمعاهدات، وأصبح يرهب جانبها ويبجل رأيها، هنا شعر رسول الله أنه أصبح من الصعوبة استئصال المسلمين، وقد كان ذلك ممكنًا في أي وقت قبل صلح الحديبية، وكان أقرب مثال على ذلك موقعة الأحزاب، حيث أراد الكفار الإنهاء الجذري للإسلام في المدينة، لكن الله كتب النصر للمؤمنين، وعبروا كما يقولون من عنق الزجاجة، وقال : "الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَ".



وهنا وبعد أن شعر رسول الله بأول لحظات الأمان في المدينة أرسل في طلب المهاجرين في الحبشة، فأرسل إليهم عمرو بن أمية فقدموا في العام السابع من الهجرة، وذلك بعد فتح خيبر.



فكان رسول الله يتعامل مع الأمور بحكمة سياسية رائعة، وكان قد عمل على أن يحافظ للمسلمين على نواة أخرى في مكان آخر مثل الحبشة، فإذا هلك المسلمون في المدينة حمل المهاجرون في الحبشة اللواء من جديد.



إذن فقد كان المسلمون في الحبشة يقومون بدور في غاية الأهمية، فكانوا كالمخزون الإستراتيجي المهم للمسلمين، وكانوا أيضًا على أتم استعداد للرجوع إلى المدينة في أي لحظة تطلب منهم القيادة ذلك، فكانت الأدوار موزعة على المسلمين بدقة متناهية، فطائفة منهم تقوم بالبناء في وضوح في أواخر الفترة المكية وفي فترة المدينة، وهي معرضة لخطر شديد وتقابل الموت في كل لحظة، وطائفة أخرى كامنة في الحبشة تترصد دورها، وهي وإن كان ظاهر أمرها أنها غير معرَّضة للأذى، إلا أن مهمتها كانت في غاية الخطورة، لقد كان عليهم أن يحملوا الدعوة بمفردهم إذا هلك المسلمون في المدينة، وكيف لا وقد يموت رسول الله ومن ثَمَّ تصبح الأمانة معلقة في رقابهم وحدهم.


المهاجرين في الحبشة

حيال الوضع السابق كان هناك تعليقان من الأهمية بمكان هما:


التعليق الأول:

وهو أن هذا التوزيع للأدوار تم بمعرفة قيادة المسلمين المتمثلة في شخص رسول الله ، وقد كان هناك طاعة عظيمة جدًّا له من قِبل الطرفين، الطرف الذي يعمل في المدينة والطرف الآخر الذي يعمل في الحبشة، وكان ذلك لأنه لو ترك الأمر لكل فرد على حدة لدخل الهوى في اختياره، فقد يكون هوى المرء أن يظل بعيدًا عن أرض القتال؛ حيث الأمان هناك في الحبشة، وقد يكون هوى المرء أن يعمل للإسلام في مكان معين، كأن يحب أن يعمل مثلاً بجوار رسول الله ، أو يحب أن يكون عاملاً في قبيلة كذا أو كذا، وحتى لا يتدخل الهوى في الاختيار وزع القائد الأدوار على المسلمين، وأطاع المسلمون في أدب جم، حيث لا يشترط الجندي الصادق عملاً معينًا أو مكانًا معينًا؛ فالجندي في الإسلام يعمل لله وفي كل مكان يوضع فيه يعمل بنفس الحمية.



وقد تجسد مثل هذا العمل في سلوك عمرو بن العاص حين قال للصديق لما عرض عليه أن يترك إمارة عمان ويتولى قيادة جيش من جيوش فتح الشام، قال عمرو: "إنما أنا سهم من سهام الإسلام، وأنت الرامي بها، فارمِ به أينما شئت".



وإن هذا التوزيع ليحتاج أيضًا إلى كثير تنظيم، ولا بد من معرفة من الذي يقوم بهذا الدور، ومن الذي يقوم بالدور الآخر، وهذا كله يرجع إلى قيادة المسلمين وإلى الشورى وإلى رأي المجموع، وكل ذلك من أساسيات العمل الجماعي السليم، والذي علّمنا إياه رسول الله .


التعليق الثاني:

وهو أن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم يكونوا في حالة ركون أو فتور، بل كانوا في إعداد دائم وتدريب مستمر، لقد كان المستوى الإيماني لهم فوق العادة، وكان الاستعداد النفسي للعودة والمشاركة والوقوف في الصدارة وفي مواجهة الموت؛ كان استعدادهم لمثل كل هذه الأمور استعدادًا كاملاً، وإن مما يثبت ذلك أنه لما جاءتهم إشارة العودة عادوا للتوّ ودونما ضجر أو تردد أو اعتراض أو إبطاء، ودونما طلب لفترة تجهيز أو انتقال، وأيضًا ما كان منهم حين وصلوا إلى المدينة، حيث انخرطوا سريعًا في الصف الإسلامي، وحملوا المشاق مع المسلمين وكأنهم عاشوا معهم كل التجارب السابقة، فبمجرد وصولهم المدينة علموا أن رسول الله يفتح خيبر (على بُعد حوالي مائة كيلو متر من المدينة)، فما كان منهم إلا أن توجهوا جميعًا مباشرة إلى خيبر للمشاركة في الغزو، ووجدوها قد فتحت، وقد سُرَّ بهم رسول الله كثيرًا وقال: "وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَفْرَحُ؟" وفي رواية: "بِأَيِّهِمَا أُسَرُّ، بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ؟"، ثم قسم لهم من غنائم خيبر وكأنهم شاركوا فيها.



ثم ها هو جعفر بن أبي طالب بعد أن عاد بسنة واحدة (ثلاثة عشر شهرًا) يخرج مجاهدًا في سبيل الله في سرية مؤتة، بل كان أحد قوَّادها، ورأينا كيف قاتل دونما تردد، وكيف أقدم دونما إحجام، وكيف ثبت دونما فرار، وكيف استشهد دونما خوف أو وجل، إذ كانت فترة الحبشة إعدادًا وتربية وصقلاً للنفوس، ولم تكن أبدًا هروبًا من الواقع، وكان جعفر قد جاء من الحبشة وهو في أتم استعداد للقتال في سبيل الله.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:04 pm

الهجرة الثانية إلى الحبشة

تعذيب المسلمين في مكة

الهجرة الثانية إلى الحبشةكان المشركون -كما ذكرنا- قد رفعوا أيديهم نسبيًّا عن المسلمين بعد إسلام عمر وإسلام حمزة رضي الله عنهما، ولكن كانت هناك أمور قد جدت جعلت المشركين ينشطون من جديد في تعذيب المسلمين، كان منها:


أولاً: سجود المشركين في الكعبة مع رسول الله

لا شك أن هذا الأمر قد أحدث بلبلة في أرض مكة، ولا شك أن من كان مترددًا في الإيمان فلا بد أنه يفكر الآن بجدية للدخول فيه، وخاصة في ظل الحماية المادية والمعنوية التي يقدمها فارسا قريش حمزة وعمر رضي الله عنهما، ومن هنا فقد فكرت قريش في إعادة البطش والتعذيب؛ وذلك لمنع المد الإسلامي الجارف في مكة.


ثانيًا: أنباء الاستقبال الحافل من قِبل النجاشي لمهاجري مكة

كان قد وصل إلى مسامع مكة أنباء الاستقبال الحافل والكريم الذي قدمه النجاشي للمهاجرين المسلمين، وهذا من ناحية قد رفع معنويات المسلمين، ومن ناحية أخرى أحبط معنويات الكفار، وكان لمشركي مكة علاقات تجارية وصداقة مع النجاشي، ولا شك أن هذه الأمور قد تتأثر بالصداقة والوفاق الجديد مع المسلمين، لهذا قررت مكة من جديد أن تنشط في مواجهة الدعوة، فاستنَّت التشريعات والقرارات التالية:



أولاً: منع المؤمنين من السفر:

وفي سبيل ذلك قاموا بتشديد الحراسة على مخارج مكة، ومطاردة كل من يخرج منها من المؤمنين، وقد وضعوا على قائمة الممنوعين من السفر كل من عرف عنه الإيمان أو اشتبه في إيمانه، وذلك كله لوقف الهجرة إلى الحبشة.



وقد يرى البعض أنه من المفترض أن يكون المشركون سعداء بترك المسلمين لأرض مكة؛ حيث إنهم سيتخلصون من القلق الذي يسببه وجودهم معهم وبينهم، فلماذا إذن يمنعونهم من الهجرة؟!



أما الإجابة فهي أن قريشًا كانت تفكر فيما يلي:

1- المؤمنون ما ذهبوا إلى الحبشة إلا ليعودوا:

كان المشركون يرون أن الحبشة ما هي إلا أحد المحاضن التربوية التي يُربَّى فيه المسلمون ليعودوا أشد قوة، فالمؤمنون أصحاب قضية، ولن يرضوا بالحياة المستريحة في الحبشة ويتركوا قضيتهم، وكما ذكر لهم رسول الله فإنه قد بُعث لقومه خاصة وللناس عامة، ولا بد أن المؤمنين سيبذلون قصارى جهدهم ليصلوا بهذه الدعوة إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولا شك أن مكة ستكون من أهم النقاط في محطات المسلمين.



2- المؤمنون سيفسدون علاقة الحبشة بمكة:

فإذا رأى أهل الحبشة أخلاق المؤمنين ونضجهم ونقاء ما يدعون إليه، فإنهم ما يلبثون أن يستنكروا أفعال الذين عذبوهم، وقد يقطعون علاقاتهم السياسية والاقتصادية بمكة.



3- الخوف من دخول أهل الحبشة في الإسلام، ومن ثَمَّ فقد يُقدِمون على غزو مكة:

فلم يكن بعيدًا على أهل مكة تخوفهم من أن يسلم أهل الحبشة، ثم يقبلون بعد ذلك على مكة لغزوها ونشر الإسلام فيها. وقريش تعلم أنها ليس لها طاقة بحرب دولة الحبشة وجيش الحبشة وملك الحبشة، وليس ببعيد من أهل مكة ما حدث من أبرهة، وهو مجرد تابع لملك الحبشة على منطقة اليمن.



4- الخوف من انتشار المد الإسلامي خارج مكة بصفة عامة:

كانت قريش على يقين أن دعوة المسلمين مقنعة ودينهم قيِّم وقرآنهم معجز، ولو تركت لهم حرية الدعوة فلا شك أن عموم الناس من أصحاب الفطر السليمة سيدخلون في هذا الدين، إذن فليُمنع المسلمون من السفر، ولتُحدد إقامتهم في أرض مكة.



ثانيًا: استخدام أساليب التعذيب المتنوعة:

كانت الوسيلة الثانية التي استخدمها مشركو مكة لمجابهة الدعوة في هذه الفترة هي التعذيب الشديد من جديد، وهي وسيلة العاجز، وسيلة الضعيف، وسيلة المهزوم الذي لا يجد حيلة، وكانت الانتكاسة البشعة في الإنسانية، فقد انقلبوا على كل من بقي من المسلمين في أرض مكة يعذبونهم، ولم يستطع حمزة وعمر -رضي الله عنهما- كأفراد أن يقوموا بحماية المؤمنين من هذه الحرب القرشية المنظمة.


قرار الهجرة الثانية إلى الحبشة

في هذا الموقف العصيب وتحت هذا الضغط القرشي الظالم، وخوفًا من استئصال عامة المسلمين في لحظات الغضب والتهور غير المحسوب وغير المدروس، في هذا الموقف الصعب أصدر رسول الله قراره بالهجرة مرة ثانية إلى أرض الحبشة. في المرة الأولى كان قد هاجر عشرة رجال وأربع نساء، ثم عادوا إلى مكة، ثم عاد بعضهم ثانية إلى الحبشة، أما في هذه المرة فقد صدرت الأوامر بهجرة أكثر من ثمانين رجلاً مسلمًا (اثنين وثمانين أو ثلاثة وثمانين إن كان من بينهم عمار بن ياسر)، وهاجر أيضًا ثماني عشرة امرأة، إحدى عشر منهن قرشيات، وسبع منهن غير قرشيات، هذا غير الأطفال.



انظر خريطة متحركة توضح الهجرة الثانية إلى الحبشة



فكان الرسول كقائد مسئول له أهداف واضحة ومحددة، فالرؤية عنده واضحة، والأولويات عنده محكمة، وهو يتحرك بمرونة سياسية وفقهية عالية، كان يعلم أن الدعوة لا بد أن تصل إلى عموم الناس، والدعوة لن تصل إلى الناس إلا عن طريق الدعاة، والدعاة قد وصلوا إلى مرحلة من الإيذاء يصعب معها استمرار الدعوة، إذن فليكن القرار الحاسم الجريء وفي الوقت المناسب، وهو هجرة أكثر من ثمانين مسلمًا، وهو ما يمثل نصف الطاقة الإسلامية تقريبًا في ذلك الوقت.



وإنه لقرار استراتيجي خطير، موازنة بين الهجرة وترك الديار ونقل ميدان العمل إلى الحبشة، وبين البقاء في مكة واستمرار الدعوة مع التضييق الشديد الذي تمارسه قريش.



فقد ينفعل الشباب يقولون: نبقى مهما كانت النتائج، ولو أدى ذلك إلى الموت، فهذا موت في سبيل الله. لكن رسول الله القائد السياسي المحنك، والداعية الحكيم يعلم أن الأمور لا تسير بهذه الطريقة، فالله خلق النبات ضعيفًا لينًا طريًّا مرنًا، فإذا جاءت ريح شديدة مال معها حتى لا ينكسر، ثم عندما يشتد عوده ويصبح شجرة راسخة الأركان لها جذور عميقة، فإنها لا تميل أمام الريح الشديدة، بل تظل ثابتة وتمر الرياح مهما اشتدت قوتها من حولها.



وهكذا حال المؤمن الفقيه، ومن هنا أخذ رسول الله القرار الجريء، وكان هذا القرار أصعب مائة مرة من قرار الهجرة الأولى، إنه الهجرة الثانية للحبشة.



وكان هذا القرار صعبًا للأسباب الآتية:

أولاً: أن قريشًا الآن قد أخذت حذرها وأغلقت أبواب مكة، وأوقفت حراسها على مداخلها ومخارجها، فقد علمت خطورة انطلاق المسلمين إلى الحبشة، وهي الآن تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تمنع المسلمين عن الهجرة.



ثانيًا: كان العدد في هذه المرة أكثر، فقد كان عددهم قُرابة المائة من المؤمنين، من الرجال والنساء، إضافةً إلى أطفالهم، وهذا غير متاع المهاجر الذي لا يتوقع رجعة قريبة، كل هذا وهم يحاولون الهرب من هذه القرية الصغيرة مكة، ووسط الحصار والتربص والحذر من جانب قريش.



ثالثًا: أن هناك أسماء لامعة وبرّاقة سوف تهاجر هذه المرة، وإن الخطورة في خروج مثل هذه الأسماء ليست كامنة في ثقلها في مكة فقط، وإنما في كونها تخرج من داخل بيوتات زعماء قريش الذين ما فتئوا يحاربون الدعوة.



انظر خريطة متحركة توضح الهجرة الأولى والثانية إلى الحبشة


أسماء المهاجرين إلى الحبشة

من هذه الأسماء اللامعة التي هاجرت:

1- السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، وهي ابنة زعيم أهل مكة في ذلك الوقت، ومن أكبر المحاربين للدعوة.



2- أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهو ابن كبير من زعماء الكفار (عتبة بن ربيعة)، الذي كان من أكبر المفاوضين، وممن آذوا رسول الله بأنفسهم، وقد قتل في بدر بعد ذلك.



3- وكان سهيل بن عمرو الذي يُعدّ من أكبر زعماء وصناديد قريش، والمفاوض في صلح الحديبية، كان قد خرج من بيته ثلاثة مهاجرين هم: ابنتاه سهلة بنت سهيل بن عمرو، وأم كلثوم بنت سهيل بن عمرو، وابنه عبد الله بن سهيل بن عمرو.



4- فاطمة بنت صفوان بن أمية، وكان صفوان بن أمية من أكابر المشركين، ولم يؤمن إلا بعد فتح مكة.



5- فراس بن النضر بن الحارث، والنضر بن الحارث هو صاحب الأساطير والخرافات التي أتى بها من فارس؛ وذلك ليصرف الناس عن سماع رسول الله .



7- هشام بن العاص بن وائل، والعاص بن وائل كان أيضًا من أكابر المجرمين، ومن الذين نزل فيهم القرآن يلعنهم، حيث قال I: {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَدًا} [مريم: 77].



فكان خروج مثل هؤلاء الأبناء والبنات من داخل بيوت الزعماء سيحدث زلزلة في مكة، وسيصاب كل زعيم من زعمائهم في كبريائه وذكائه وحكمته، وفي تقديره للأمور والأحداث، فكان ذلك -ولا شك- سيؤدي إلى هزة عنيفة لأهل الباطل.


معية الله ونجاح الهجرة

في هذا الجو المشبع بالغيوم، ومن وراء تلك الخلفيات المعقدة، أصدر الرسول قراره الشجاع بالهجرة إلى الحبشة للمرة الثانية، وقد أمّر على المهاجرين في هذه المرة جعفر بن أبي طالب .



وفي واحدة من أعقد عمليات التمويه والإخفاء تبدأ الهجرة، ويتعاون الصغار والكبار والرجال والنساء على إنجاح تلك العملية الصعبة، وهم يبتهلون إلى الله بالدعاء والرجاء، ثم بفضل الله ومنِّه تنجح العملية، ويخرج من مكة وفي جنح الظلام قرابة المائة من الرجال والنساء يحملون أطفالهم ومتاعهم وزادهم، وينجيهم الله جميعًا، ولا يتمكن أهل الباطل من اكتشاف أمرهم، أو الإمساك بأي منهم، وعند ميناء على البحر الأحمر يجتمع المسلمون، وقد لهثت وراءهم مكة مؤخرًا، وذلك بعد استتباب أمر المسلمين، ولكن هيهات {إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38].



وإنها لمفارقة صعبة، وصدمة مدوية حين يستيقظ كفار قريش على فقد مائة نفس من بينهم، وإنه لفراغ هائل خلفه هؤلاء الصالحون وراءهم، وإن عدد المهاجرين هذا (قُرابة المائة نفس) ليعني أنه ما من بيت في مكة إلا وقد خرج منه ابن أو ابنة أو أخ أو أخت، أو عم أو غيرهم.



وقد وصل المهاجرون بفضل من الله إلى الحبشة، وقد استقبلهم النجاشي -رحمه الله- خير استقبال، وأحسن وفادتهم، وعاش المسلمون هناك في أمن وبركة ويسر.


أزلية الصراع بين الحق والباطل

حيال نجاح أمر الهجرة هذا، هل تهدأ قريش؟ وهل تقبل بالأمر الواقع؟ وهل تفكر في إنهاء الصراع الطويل الذي كان بينها وبين المؤمنين وقد فصلت بينهما آلاف الأميال؟! أسئلة مهمة كانت قد فرضت نفسه وألقت بظلالها على موقف قريش بعد نجاح هجرة المؤمنين إلى الحبشة.



ولأنها سنة من سنن الله الثابتة، ولأنها سنة السجال والصراع بين الحق والباطل، والتي حتمًا مآلها إزهاق الباطل، لم تهدأ قريش، ولم ترض بالأمر الواقع، ولم تفكر في إنهاء الصراع بينها وبين المؤمنين، وعز عليها أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يحيكوا له المكائد، وإنه لو كان المؤمنون قد خرجوا جميعهم وتركوا الديار والبلد بكاملها، أيضًا فلن يقف الصراع، ولن تقف الحرب {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217].



ومن ثَمَّ قررت قريش أن تتبع المسلمين في الحبشة حتى تردهم، حتى ولو كان بينها وبينهم آلاف الأميال، لكنها لم يكن في مقدورها أن تهاجم الحبشة بجيش؛ فقوة الحبشة وبُعد المسافة، إضافة إلى تاريخ العلاقات الطيبة بين الحبشة ومكة، كل هذه الأمور وقفت سدًّا منيعًا حال دون حرب عسكرية، إذن فلتكن طريقة أخرى.



لقد قررت قريش إرسال سفراء يمثلونها للتفاوض مع ملك الحبشة بشأن المهاجرين المسلمين، فأرسلت وفدًا يطلب من ملك الحبشة أن يرد المسلمين إليها ولا يقبلهم في بلده، ولضمان نجاح هذه المهمة الخبيثة أخذت قريش بكل الأسباب المتاحة في يدها، فعملت على ما يلي:



أولاً: أرسلت على رأس الوفد رجلين من أمكر رجال قريش وأشدهم دهاءً، هما عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة (عمه الوليد بن المغيرة) وذلك قبل أن يُسلما، وكان عمرو بن العاص مشهورًا بالمكر والدهاء وحسن التصرف، ويستطيع بذكائه في حسابات قريش أن يمكر بالمسلمين.



وفوق ذلك فهو صديق شخصي قديم للنجاشي نفسه، إذ كان عمرو بن العاص قبل ذلك مندوبًا لقريش في أمور التجارة والصداقة مع النجاشي، فلا شك أنه سيكون أكثر تأثيرًا في النجاشي من غيره. وفوق هذا وذاك فإن أخاه هشام بن العاص كان من بين المهاجرين إلى الحبشة، والذين ما جاء عمرو إلا من أجل التفاوض بشأنهم، فكان الأمر بالنسبة إلى عمرو لا يعدو إلا أن يكون قضية شخصية بحتة. وكذلك أيضًا كان الوضع بالنسبة للسفير الآخر عبد الله بن ربيعة؛ إذ كان أخوه عباس بن أبي ربيعة أيضًا من بين المهاجرين.



ثانيًا: حمّلت قريش الوفد بالهدايا الثمينة وبالذات من الجلود، وهي هدايا كانت تطيب كثيرًا لأهل الحبشة، فجهزوا قافلة ضخمة كنوع من الرشوة لملك الحبشة ولرجال الحكم هناك، وقد كلفتهم الكثير من المال {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} [الأنفال: 36].



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:05 pm

قصة إسلام عمر بن الخطاب

بعد ثلاثة أيام فقط من إسلام حمزة بن عبد المطلب t آمن رجل آخر، آمن عظيم آخر، وبإيمان هذا المؤمن الجديد سيغير الله U من وجه الأرض تمامًا، سيغير من حركة التاريخ، ذلك الرجل الذي سيزلزل عروش ملوك الأرض في زمانه، كسرى وقيصر وغيرهم، هذا المؤمن الجديد هو: عمر بن الخطاب، عمر الفاروق t.



فمنذ أول لحظات إيمانه وحتى آخر أيام حياته t كان فاروقًا، وإن قصة إسلامه لأعجب من قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، فقد كان حمزة t خلال السنوات الست التي سبقت إسلامه كان سلبيًّا بالنسبة لرسول الله r وبالنسبة للمؤمنين، فهو ليس معهم، وفي الوقت ذاته ليس عليهم.


تاريخ عمر مع المسلمين

أما عمر بن الخطابt فكان شيئًا آخر، فتاريخه مع المؤمنين كان من الصعوبة والقسوة بمكان، كان تاريخه حافلاً بالقسوة والعنف الشديدين، ومثل حمزة t فقد كان عمر رجلاً مغمورًا في التاريخ، رجل مثل بقية رجال قريش قبل أن يسلموا، نعم كانت له مكانة خاصة في نادي قريش، وكانت سفارة قريش موكولة إليه، وكان مسموع الكلمة في قبيلته بني عدي وفي قريته مكة، لكن ما هي قبيلة عديّ أو ما هي مكة بالنسبة إلى ما يجاورها من تكتلات وقوى عظمى؟



ما هي مكة بالنسبة إلى فارس والروم ومصر والصين والهند، إنها لا تعدو أن تكون مجموعة من القبائل البدوية البسيطة، التي تعيش في وسط الصحراء العربية على الرعي والتجارة وبيع الأصنام، وهذه مكة قبل الإسلام، فكان عمر مثل آلاف أو ملايين الرجال الذين مروا في التاريخ، وقد انطوت صفحاتهم، واندثر ذكرهم بمجرد وفاتهم.


قسوة وغلظة.. ولكن

إلى جانب سلطته وقوته وبأسه كان عمر أيضًا غليظ الطباع، قاسي القلب، شديدًا على الإسلام والمسلمين، فقد كان يعذِّب جارية له علم بإسلامها من أول النهار حتى آخره، ثم يتركها نهاية الأمر ويقول: "والله ما تركتك إلا ملالةً".



ورغم هذه القسوة وتلك الغلظة إلا أن عمر كان يخفي وراءها رقة عَزَّ أن تجد مثلها. تحكي عن هذا زوجة عامر بن ربيعة رضي الله عنهما، وذلك حينما رآها عمر وهي تعد نفسها للهجرة الأولى إلى الحبشة، فقال لها كلمة شعرت من خلالها برقة عذبة في داخله، وأحست بقلبها أنه من الممكن أن يسلم عمر، وذلك أنه قال لها: صحبكم الله.



لم تتوان زوجة عامر بن ربيعة t في أن تخبر زوجها بما رأت من عمر، فرد عليها بقوله: أطمعت في إسلامه؟ قالت: نعم. ولأن الانطباعات الأولى ما زالت محفورة في نفسه، رد عليها زوجها وفي يأس كامل بقوله: فلا يسلم الذي رأيتِ حتى يسلم حمار الخطاب. وإذا كانت الأمور بخواتيمها، فقد كانت نظرة المرأة أدق من نظرة الرجل.


صراع حاد بين جوانح عمر

وإزاء الأحداث والمستجدات الأخيرة، والتي ظهرت على ساحة مكة كان يعيش عمر بن الخطاب صراعًا نفسيًّا حادًّا، فهو بين أن يكون زعيمًا قائدًا في مكة، وبين أن يكون تابعًا في هذا الدين الجديد، يحدثه قلبه بأن هؤلاء الناس قد يكونون على صواب، وأن هؤلاء الناس ثباتهم عجيب جدًّا فيما يتعرضون له، وهم يقرءون كلامًا غريبًا لم نسمعه من قبل، هذا إضافةً إلى أن (رئيسهم) الرسول r ليس عليه من الشبهات شيء، فهو الصادق الأمين.



ويحدثه عقله بأنه سفير قريش، وقائد من قوادها، والإسلام سيضيّع كل هذا، فذلك الدين قسّم مكة إلى نصفين، نصف يؤمن به ونصف يحاربه، ومنذ ست سنوات ونحن منه في متاعب ومشكلات، ومناظرات ومحاورات.



صراع شديد في نفس عمر، قلبه في طريق، وعقله في طريق آخر، وأصدقاء السوء في مكة كثيرون، يزينون له المنكر.


عمر يقرر قتل رسول الله

في لحظة عصيبة من هذا الصراع الداخلي انتصر عقله في النهاية، وبعدها شعر بكراهية شديدة لرسول الله r الذي وضعه في مثل هذا الصراع النفسي الرهيب، والذي لم يكن معتادًا عليه، ولأن من طبعه الحسم وعدم التردد، فقد قرر أن ينتهي من كل ما يؤرقه، وأراد أن يخلص نفسه ويخلص مكة كلها ممن أحدث فيها هذه البدع وتلك المشكلات، فقرر أن يقوم بما فكر فيه كثير من مشركي قريش قبل ذلك، لكنهم لم يفلحوا فيه، قرر أن يقتل رسول الله r.



وكان قد دفعه إلى أخذ هذا القرار -أيضًا- ما حدث قبل يومين من إهانة شديدة لأبي جهل في مكة على يد عم رسول الله r حمزة t والذي أصبح على دين محمد، وكانت حرارة هذا الدافع نابعة من أن أبا جهل خال عمر بن الخطاب، رأى عمر أنه قد أصيب في كرامته تمامًا كما أصيب أبو جهل، ورد الاعتبار في هذه البيئة عادة ما يكون بالسيف.



هنا قرر ابن الخطاب قتل رسول الله r، وقد جاء خاطر هذا القرار في ذهنه في لحظة، وكانت محاولة التنفيذ مباشرة في اللحظة التالية، رغم أنه لم يعرف مكان رسول الله r؛ فلم يكن من المشركين أحد يعرف دار الأرقم بن أبي الأرقم.



خرج عمر بن الخطاب من بيته متوشحًا سيفه قاصدًا رسول الله r يبحث عنه لقتله، وفي الطريق لقيه نُعَيم بن عبد الله t وكان من المسلمين الذين أخفوا إسلامهم، وكان أيضًا من قبيلة عمر، من بني عدي، وكان من السهل على نعيم أن يقرأ الشر في قسمات وملامح وجه عمر، فأوقفه نعيم t وقال له: أين تريد يا عمر؟



ولأنه صريح لا يكذب ولا ينافق ولا يُداهن، لعدم حاجته إلى مثل هذه الصفات، ومن ناحية أخرى فهو لا يعرف نبأ إسلام نعيم، قال عمر في غاية الصرامة والجدية: أريد محمدًا، هذا الصابئ، الذي فرّق أمر قريش، وسفّه أحلامها، وعاب دينها، وسفه آلهتها؛ فأقتله.



ما كان من نعيم t حين سمع مقالة عمر إلا أن أصابه الرعب والفزع، فقد رأى الخطر العظيم المحدق برسول الله r وليس هناك وقت لتنبيهه.


من مأمنه يُؤْتى الحَذِر

إزاء ما وجد نعيم t من عمر، لم يتمالك نفسه في أن يكشف له عن سر خطير؛ قاصدًا أن يلهيه به عن هذا الإقدام وذاك التفكير، فأماط اللثام عن إسلام أخته وزوج أخته معًا، كشف له عن إيمان فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها أخت عمر، وعن إيمان زوجها سعيد بن زيد t، كان من الممكن أن يقتلهما عمر، لكن في المقابل يستطيع نعيم أن يبلغ الرسول r ليأخذ حذره، ولو كان أخبره بإسلام أحد آخر فلن يهتم عمر، أما إذا أخبره بإسلام أخته، فهذا شيء كبير جدًّا وطعن جديد في كرامة عمر، هنا قال نعيم مهددًا:



والله لقد غرّتك نفسك من نفسك يا عمر؛ أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا؟!



ثم ألقى بقنبلته المدوية، فقال: أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟



وفي فزعٍ، قال عمر: أي أهل بيتي؟!



فألقى نعيم ما في جعبته قائلاً: ابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه؛ فعليك بهما.


الله يهدي من يشاء

جنَّ جنون عمر، وقد نسي ما كان يفكر فيه، وأسرع من توّه إلى عقر داره وبيت أخته الذي اخترقه محمد r لا يلوي على أحد.



في تلك الأثناء كان خباب بن الأرت t يجلس مع سعيد بن زيد وزوجته في بيتهما يعلمهما القرآن الكريم، فقد كان رسول الله r يقسم المسلمين إلى مجموعات، كل مجموعة تتدارس القرآن فيما بينها، ثم يجتمعون بعد ذلك في لقاء جامع معه r في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وقد كان خباب t يقوم بدور المعلم لسعيد وزوجته.



وصل عمر إلى بيت أخته، وقبل دخوله سمع همهمة وأصواتًا غريبة، وبعنفٍ أخذ يطرق الباب وينادي بصوته الجهوريّ أن افتحوا.



أدرك من بالداخل أن عمر بالباب، فأسرع خباب t -وكان من الموالي- بالاختفاء في غرفة داخلية، وقد قال: "لئن نجا سعيد بن زيد وفاطمة بنت الخطاب فلن ينجو خباب".



وفتح سعيد الباب، ودخل عمر وهو يحترق من الغضب، لا يسيطر على نفسه والكلمات تتطاير من فمه، والشرر يقذف من عينيه، ودون استئذان يسأل: ما هذه الهمهمة (الصوت الخفي غير المفهوم) التي سمعت؟



ردَّا عليه: ما سمعتَ شيئًا.



قال عمر: بلى، والله لقد أُخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه.



ثم ألقى بنفسه على سعيد يبطش به، هنا تدخلت الزوجة الوفية فاطمة -رضي الله عنها- تدافع عن زوجها، فوقفت بينه وبين عمر تدفع عمر عنه، وفي لحظة غضب عارمة التفت عمر إلى أخته، ولم يدرك نفسه إلا وهو يضربها ضربة مؤلمة على وجهها، تفجرت على إثرها الدماء من وجهها.



وإزاء ما حدث وفي تحدٍّ واضح، وقف سعيد بن زيد t يتحدى عمر ويقول: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.



وإن تعجب فعجب موقف أخته فاطمة المرأة الضعيفة، وقد وقفت في تحدٍّ صارخ وأمسكت بوجه أخيها عمر، وهي تقول له: وقد كان ذلك على رغم أنفك يا عمر.



ذهل عمر، ما هذا الذي يحدث؟! هل هذه هي أخته؟ ما الذي جرّأها إلى هذه الدرجة؟!



وعلى شدة بأسه وقوة شكيمته شعر عمر بأنه ضعيف وصغير، لا يستطيع أن يقف أمام هذه المرأة، وفي الوقت ذاته شعر وكأنها أصبحت جبلاً أشمًّا يقف أمامه، لقد تغيرت الدنيا وهو لا يدري.



ورغم ذلك وفي تعبير عن رقة عظيمة في قلبه تختفي وراء هذه الغلظة الظاهرة، قال عمر: فاستحييت حين رأيت الدماء.



وإذا كان الحياء كله خير، وإذا كان الحياء لا يأتي إلا بخير، فإن الرجل الذي ليس به خير هو الذي لا يستحي من رؤية دماء تسيل على وجه امرأة خرجت عن دينه ووقفت أمامه وتحدته، وبالأخص في هذه البيئة القبلية الجاهلية، تلك التي كانت تفقد فيها المرأة كثيرًا من حقوقها.



وفي تنازل كبير للغاية، يقول عمر: فجلست، ثم قلت: أروني هذا الكتاب. في نظرِهِ أن هذا مطلبٌ عادي.



وكانت اللطمة والضربة الثانية الموجعة التي لم يكن يتوقعها على الإطلاق، حيث قالت له أخته فاطمة: يا أخي، إنك نجسٌ على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر.



وعلى عكس ما كان يتوقعه بَشَر قام عمر وفي هدوء عجيب، قام ليغتسل.



لا شك أن هناك شيئًا غريبًا يحدث، شيئًا لا يمكن تفسيره إلا عن طريق قوله تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56].



وهنا قد شاء الله U الهداية لعمر، وشاء الله U الخير له وللمسلمين بل ولأهل الأرض جميعًا، قام عمر وسط هذه الأجواء ليغتسل في بيت أخته ليصبح طاهرًا فيقرأ الصحيفة.



بعد اغتساله أعطته فاطمة -رضي الله عنها- الصحيفة يقرؤها، وبلسانه وعقله وقلبه قرأ عمر: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال مُظهِرًا خيرًا عميمًا: أسماء طيبة طاهرة.



ثم قرأ: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى * إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى * تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلاَ * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى * وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 1- 8].



تزلزل عمر t، وقد وجد نفسه خاشعًا متصدعًا من خشية الله، وفي لحظة قد خالط الإيمان فيها قلبه قال عمر: فعظمت في صدري، فقلت: ما أحسن هذا الكلام! ما أجمله!



فكان شأن عمر الساعة قد تبدّل، وكان هذا هو عمر، أسلم بمعنى الكلمة.



وكانت هذه من أعظم لحظات البشرية على الإطلاق، لحظة تحول فيها رجل يسجد لصنم ويعذب المؤمنين إلى عملاق من عمالقة الإيمان، وإلى فاروق فرق الله به بين الحق والباطل، وإلى رجل يراقب الله في كل حركة وكل سكون، وكل كلمة وكل همسة، ثماني آيات فقط، صنعت الأسطورة الإسلامية العجيبة عمر.



وحين سمع عمر وهو يقول: ما أحسن هذا الكلام! ما أجمله! خرج خباب t من مخبئه وقال: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: "اللَّهُمَّ أَيِّدْ الإِسْلاَمَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ"، فاللهَ اللهَ يا عمر.



عند ذلك قال عمر مُقِرًّا ومعترفًا برسالة محمد r: فأين رسول الله؟



قال خباب: إنه في دار الأرقم.



أخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم انطلق من جديد إلى رسول الله r، ولكنه انطلق في هذه المرة بقلب مؤمن، وأمام دار الأرقم ضرب عمر الباب على رسول الله r وصحابته، فقام رجل من أصحاب رسول الله r فنظر من خلل الباب فوجد عمر، فرجع فزعًا إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحًا السيف.



كان في بيت الأرقم آنذاك أربعون صحابيًّا مع رسول الله r، ورغم هذا العدد فقد قام يدافع عن الجميع ويتصدر هذا الموقف الخطير حمزة بن عبد المطلب t، الذي لم يخالط الإيمان قلبه إلا منذ ثلاثة أيام فقط، قام حمزة، فقال في صلابة: "فَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ".



فقال رسول الله r: "ائْذَنُوا لَهُ".



ففتح لعمر t فدخل إلى الدار المباركة، دار الأرقم بن أبي الأرقم، ثم أدخلوه في حجرة، وقام إليه رسول الله r فدخل عليه، واقترب منه، ثم أخذ رسول الله r بمجمع ردائه، ثم جذبه نحوه جذبة شديدة وقال له في قوة: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى يُنزل الله بك قارعة".



عندئذٍ ردَّ عمر بصوت منخفض: يا رسول الله، جئت لأُومِنَ بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله.



الله أكبر! انتصار هائل وكبير للدعوة، خاصة بعد دخول حمزة t في دين الله U.



الفرحة في قلب الرسول r لا توصف، وكان أول رد فعل له أن كبر الله U: الله أكبر! الله أكبر الذي صنع هذه المعجزة.



عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله r أن عمر قد أعلن إسلامه، فدخلوا عليه يهنئونه ويباركونه جميعًا، وأصبح العدو القديم صديقًا ورفيقًا.


عمر.. فاروق منذ البداية

وكما ولد حمزة عملاقًا، فإن عمر أيضًا ولد عملاقًا y، ولد عمر فقيهًا، حازمًا، واضحًا صريحًا، مضحيًّا، بعد إسلامه مباشرة كانت أول كلمة قالها: يا رسول الله، ألسنا (استخدم صيغة الجمع) على الحق؟



قال: "بلى".



قال عمر: ففيمَ الاختفاء؟!



منذ أن أعلن إسلامه وقد حسب نفسه واحدًا منهم، وقد أخذ يقترح عليهم الاقتراحات، ويفكر كيف يخدم هذا الدين، وما هو الأنفع والأصلح للدعوة، وكان هذا هو عمر.



ولقد كان رسول الله r يرتب حساباته بدقة، وكان الاختفاء لأسباب، وهنا وقد تغير الوضع، وبعد أن كان للاختفاء مزايا، أصبح للإعلان مزايا؛ فأعاد الرسول الله r حساباته ثانية من جديد، وذلك بعد إيمان حمزة وعمر رضي الله عنهما، رجلان فقط من المسلمين غيَّرا من مسار الدعوة الإسلامية بكاملها في هذه الفترة الحرجة.



ووافق رسول الله r على الإعلان، وسيبدأ يُعلن الإسلام في مكة، وسيظهر المسلمون في مكة، وتقضى الشعائر أمام كل الناس في مكة وفي وضح النهار، وكانت هذه دعوة كبيرة جدًّا لله وللرسول وللمسلمين، أخذ المسلمون القرار من حينها، وفي نفس اللحظة خرج المسلمون في صفين، عمر على أحدهما، ولم يكن آمن إلا منذ دقائق، وحمزة على الآخر وكان قد آمن منذ ثلاثة أيام فقط. ومن دار الأرقم إلى المسجد الحرام، حيث أكبر تجمع لقريش، سارت الكتيبة العسكرية الإسلامية المؤمنة.



ومن بعيدٍ نظرت قريش إلى عمر وإلى حمزة وهم يتقدمان المسلمين، فَعَلتْ وجوهَهُم كآبة شديدة، يقول عمر: فسماني رسول الله r الفاروق يومئذٍ.


عمر يزف خبر إسلامه لأبي جهل

في شوق ولهفة عارمة لأن يعلم ألد أعداء الإسلام خبر إسلامه، نظر عمر بن الخطاب في المسجد الحرام فلم يجد أبا جهل، حينها قرر أن يذهب إليه في بيته ويخبره بنفسه عن أمر إسلامه.



يقول عمر: فأتيت حتى ضربت عليه بابه، فخرج إليّ وقال: مرحبًا وأهلاً يابن أختي، ما جاء بك؟!



وفي تحدٍّ واضح، قال عمر: جئتُ لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به.



قال عمر: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به.



فرح عمر فرحًا شديدًا؛ كونه غاظ أبا جهل، ذلك الذي كان صاحبه منذ قليل، لكن الإسلام نقله نقلة هائلة.



لكن عمر t ما زال يريد أن يُعلم خبر إسلامه الجميع، فذهب إلى جميل بن معمر الجمحي الذي كان أنقل قريش للحديث، لا يسمع حديثًا إلا حدث الناس جميعًا به، ذهب عمر وقال له: يا جميل، لقد أسلمت. وبأعلى صوته نادى جميل: إن ابن الخطاب قد صبأ. فردَّ عليه عمر: كذبت، ولكني قد أسلمت.



وعرفت مكة كلها بإسلام عمر، وكان هذا عين ما أراده، بعدها اجتمع القوم من أطراف مكة، وقد أقبلوا على عمر بن الخطاب وأخذوا يقاتلونه ويقاتلهم، وبعد تعب شديد جلس عمر على الأرض وقال:



افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل، لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. وسبحان الله! كان هذا هو عدد المسلمين يوم بدر.


قوة وعزة.. ولكن

كأن الله I يريد أن يعلم عمرَ طريق الدعوة من أول يوم ولد فيه حين أسلم، فكان أن ضُرب عمر وأُهين، وكذلك كان حال كل من حمل همّ الدعوة إلى الله تعالى.. "أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلاَ إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ".



ومع أن عمر ضُرب من أول يوم إلا أن هذا كان رد فعل استثنائي نتيجة المفاجأة بإسلامه، وكان إسلام حمزة وإسلام عمر بعد ذلك دفعًا كبيرًا للدعوة الإسلامية، فقد كانت مكة تهاب عمر وتخشاه، يؤكد هذا كلام صهيب الرومي t حين يقول: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودُعِي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به.



ويقول أيضًا عبد الله بن مسعود t: "ما زلنا أعِزَّة منذ أسلم عمر".



ومع أن حال المسلمين كان قد تحسن، وأصبح المسلمون يُظهرون عبادتهم وشرائعهم في مكة، إلا أن الرسول r لم يعلن الحرب على قريش، لم يبدأ في مواجهة عنترية مع صور الباطل في مكة، كانت الأصنام ما زالت منتشرة في مكة، بل في الكعبة، وما زالت رايات العاهرات الحمر مرفوعة، وما زالت الخمور تسقى، وما زال المشركون يعبدون إلهًا غير الله، إلا أنه ما زال القتال لم يُفرض بعد على المسلمين، وإن في هذا لرسالة واضحة لجمعٍ من الشباب ممن يتحمسون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن طريق القوة والعنف وحمل السلاح، معتقدين أنهم في زمن تمكين وسيادة، ومتجاهلين أن الرسول r نفسه لم يقم بمثل هذا في فترة مكة. إن الجرأة من شباب المسلمين على المشركين في ذلك الوقت لا تُعدّ شجاعة، ولا تعد جهادًا، وإنما تعد تهورًا وتسرعًا وجهلاً بفقه المرحلة.



لقد ثقلت كفة المسلمين كثيرًا بإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما، ولكن اتخذ ذلك بحساب، وهي رسالة إلى كل المتحمسين من الشباب، فقد تكون الظروف مشابهة لظروف مكة، وفوق ذلك قد تكون بغير حمزة وبغير عمر، ومع ذلك قد يحدث منهم تهوُّر واندفاع، وإنها لرسالة: قد تخسر الدعوات كثيرًا من حماسة في غير موضعها، تمامًا كما تخسر من رَوِيَّة في غير مكانها.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:05 pm

الاختلاط بين تعاليم الإسلام وتقاليد الغرب


اختلاط الإسلام بالفلسفات الغربية

اختلاط الإسلام بالفلسفات الغربيةعندما يختلط الإسلام بالأفكار الغريبة عنه -سواء من الغرب أو من الشرق- ولو كانت من أفكار الفلاسفة، وكبار الحكماء كما يدعون -سواء في التاريخ وفي الواقع- فإنه يتميع الحق، ويضطرب الناس، فلا يفرقون بين معروف ومنكر، ولا بين حق وباطل، ولا بين صدق وكذب.



ومن الأمثلة على ذلك: دخول المناهج الفلسفية اليونانية إلى الإسلام عندما تمَّت ترجمة كتب الفلاسفة اليونان إلى العربيّة، فظهرت فرق المعتزلة والمعطلة والجهمية وغيرها، وظهرت تفريعات كثيرة في العقيدة صعَّبت فهمها جدًّا حتى على بعض العلماء، كما فتحت أبواب مسائل ما فتحها رسول الله نفسه، وفُتن المسلمون بفتن ضخمة مثل فتنة الادعاء بخلق القرآن أو أين الجنة، أو غير ذلك من المسائل.



هذه الفتن ضيعت على المؤمنين وقتًا طويلاً.



- وشغلت المؤمنين بأنفسهم، فحدث الصراع والجدال والقتال بين المؤمنين.



- كما عطَّلت الجهاد، وأضعفت شوكة المسلمين.



- بل أخرجت بعض المتكلمين من الدين بالكلية.



كل هذا نتيجة خلط بعض المسلمين لأصول الرسالة بغيرها من الأصول، فضاع نقاء الرسالة لولا جهود العلماء المخلصين.



وبالتالي -كما وضحنا سابقًا- فإن نزول الرسالة في مكة كان يوفر عليها كل هذا الخلط، خاصةً وهي ما زالت في مهدها.



والدرس واضح للمسلمين: أن يحافظوا على نقاء رسالة الإسلام، فنحن لا نحتاج أي مصدر آخر للتشريع غير القرآن والسنة: "تَرَكْتُ فِيكُمُ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّتِي".


الاختلاط بين تعاليم الإسلام وتقاليد الغرب

إذا نظرنا في واقعنا المعاصر، نجد أنه قد حدث اختلاط كبير بين تقاليد الغرب، وتعاليم الإسلام في نفوس الناس، حيث يتميع الحقُّ، وتضيع الحقائق، ويختفي المقياس الصحيح من حياة المؤمنين.



- ففي الغرب يعتبرون الفتاة التي تبلغ ثم تظل بعد ذلك عذراء يعتبرونها هناك فتاة غير طبيعية؛ لأنها ما زالت عذراء، إذا كان هذا هو المقياس فسيعتبر الاختلاط البشع الذي نراه بين الشباب والشابات فضيلةً من الفضائل ما دامت الفتاة ظلّت عذراء، وقد يتطور الأمر للزواج العُرفي، وهم بمقاييسهم الجديدة المحرفة يعتبرون أنفسهم يراعون حرمة الله بكتابة مثل هذه الوريقة التافهة. اختلطت المفاهيم، وضاع نقاء الرسالة.



- انظر إلى قصّات الشعر عند الشباب، تجد الشاب يقص شعره على طريقة الشرق والغرب، وتظهر قصات نهى الشرع عنها، مثل قصة القزع مثلاً، يقُصُّ جزءًا ويترك الباقي، والشاب قد لا يدرك أنه يرتكب محرمًا، لماذا؟ اختلطت المفاهيم، ولم يحافظ على نقاء الرسالة.



- انظر إلى ملابس الفتيات (مجازًا طبعًا، فالمفروض ألا تنظر) لقد أصبح هناك تعريف جديد للاحتشام، وضاع المقياس الإسلامي.



ستشاهد ملابس تتعجب من نزول الفتاة بها من بيتها أمام أبيها أو أخيها أو زوجها دون أن ينكروا عليها، بل قد يمدحونها ويبدون إعجابهم، فإذا حدثتهم قالوا: الحمد لله إنها أحسن من كثيرات غيرها.



- من المسلمين من يحتفل بالكريسماس ورأس السنة أكثر من احتفاله بعيد الفطر أو الأضحى.



- من المسلمين من يعتقد أن من الصواب أن يدع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.



- من المسلمين من يعتمد في تفسيره للتاريخ الإسلامي على اليهود والنصارى.



- من المسلمين من ينكر الشفاعة، ويرد المتواتر من الحديث، ويستهين بالبخاري ومسلم.



- من المسلمين من يقول: الحج شيء جميل ولكنه زحام شديد، فلماذا لا نجعل الحج كل عام في مكان مختلف؟ أو في عدة أماكن في الوقت نفسه ليقل الزحام؟ أو لماذا لا نجعل الحج طوال العام؟ إنه يُعْمِل عقله في العبادات كما علموه، وهو قد رأى أساتذته من اليهود والنصارى يغيرون ويحرفون في دينهم كما يريدون ولم يحدث شيء، فلماذا لا يفعل مثلهم؟



إنه اختلاط في المفاهيم، واضطراب في المقاييس.



إن نزول الرسالة في مكة، حيث تعتبر معزولة نسبيًّا عن الأفكار الفلسفية، والقوانين المادية، والعقائد النظرية الغربية، حافظ على نقاء الرسالة، وحافظ على تكوين الصحابة تكوينًا إسلاميًّا خالصًا، وهذا درس واضح غاية الوضوح: الجيل الذي يستطيع أن يحمل الأمانة الإسلاميّة هو جيل يوحد مصدر تلقيه، فيجعله القرآن والسنة، ولا يخلطه بأفكار الأرض، شرقية كانت أم غربية.



إذن ما سبق يوضح لماذا نزلت الرسالة في بلد ليس له تاريخ ثقافي معلوم، أو ذكريات فلسفية.


التشريع الإسلامي

كما نلاحظ أيضًا أن نزول الرسالة في بلد ليس له تاريخ تشريعي يذكر وَضّح المعجزة الإلهية في التشريع الإسلامي.



من المستحيل أن تفهم كيف خرج هذا التشريع المتكامل الشامل المفصل في هذه البيئة البدوية البسيطة منعدمة التاريخ، إلا إذا كانت هناك قوة فوق قوة البشر هي التي فعلت ذلك، وتلك هي قوة الله .



التشريع الإسلامي تشريع عجيب فهو يعالج كل جزئية -مهما صغرت- من جزئيات الحياة، ليس في العقيدة والعبادة فقط، ولكن في كل أمور تسيير الحياة، وعمارة الأرض وسيادة الدنيا.



- قوانين متكاملة في السياسة.



- قوانين متكاملة في القضاء.



- قوانين متكاملة في المعاملات.



- قوانين متكاملة في التجارة والاقتصاد.



- قوانين متكاملة في إدارة البيت وتربية الأولاد.



- كيف تحارب وكيف تسالم، وكيف تتزوج، بل كيف ترفّه عن نفسك؟



بل الدخول في أدقِّ التفاصيل بلا خطأ ولا ثغرة ولا عيب ولا قصور.



صنع من هذا؟ {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88].



إن نزول الرسالة في مكة بهذا التكامل العجيب كان إعجازًا لا ينكر، ودليلاً لا يقاوم على إلهية هذا التشريع، وربّانية هذا المنهج.



إذن كان نقاء الرسالة بنزولها في مكانٍ ليس به تشريعات كثيرة معقدة سببًا في نقاء التكوين عند الصحابة، وصحة الطريق بلا ضلال ولا غموض، فقد كان يحمي الإسلام من الانحراف والتخبط، وفي الوقت ذاته كان دليلاً معجزًا على أن هذا التشريع من عند الله .



وهذه هي الحكمة الأولى من نزول التشريع الإسلامي في هذه البيئة البدوية البسيطة، وهي المحافظة على نقاء الرسالة ووحدة المصدر.



ولو أردنا أن نعيد الأمة الإسلاميّة إلى سابق عهدها من القوة والتمكين، فعلينا ألاَّ نخلط بالقرآن والسُنَّة أي مصدر آخر، وهذا ليس اجتهادًا منَّا، بل أمر رب العالمين: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا} [الأحزاب: 36].



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty رد: قصة مكة

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:06 pm

وفد قريش لأبي طالب قبل وفاته


مرض أبي طالب

مرض أبي طالب عم رسول اللهبدأ العام العاشر من البعثة بمرض الشيخ الكبير أبي طالب، الرجل كان قد جاوز الثمانين من عمره، وقد أمضى ثلاث سنوات محاصرًا مع قومه في الشِّعب في مشقة بالغة من أكلٍ لورق الشجر والجلود، مع الحذر والترقب والقلق، كل ذلك أرهق الشيخ الكبير، وازداد عليه المرض وبدأ الناس في مكة يقولون إن هذا هو مرض الموت.


وفد قريش لأبي طالب قبل وفاته

اجتمع زعماء الكفر من جديد -البرلمان المكي- وتشاوروا فيما بينهم وقالوا: إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون إليه - أي رسول الله - شيء فتعيرنا به العرب، ويقولوا: تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه.



أي أن قريشًا تخاف أن تقوم بإيذاء رسول الله بعد وفاة أبي طالب، فتعيرها العرب بأنها استغلت موته لإيذاء ابن أخيه، ولم تكن تقدر على ذلك في حياته، وهذه بقية حياء في زعماء الجاهلية، فقده كثير من أهل الباطل بعدهم.



فكرت قريش ماذا تفعل؟ ثم قرروا أن يذهبوا إلى أبي طالب ليقدموا له تنازلاً جديدًا غير التنازلات السابقة التي عرضها عتبة على رسول الله ، في محاولة للالتقاء في نصف الطريق مع رسول الله .



كوّن زعماء قريش وفدًا مهيبًا مكوَّنًا من معظم رجال الحكومة في مكة، كان الوفد مكونًا من خمسة وعشرين رجلاً، كان منهم: أبو جهل بن هشام، وأبو سفيان بن حرب، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف وغيرهم، فدخلوا جميعًا على أبي طالب وهو على فراشه فقالوا: يا أبا طالب، إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك فادعه، فخذ له منا وخذ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه.



عرض مغرٍ من زعماء مكة، سيصبح لرسول الله جماعته الإسلامية في مكة ويصبح لأهل الكفر جماعتهم الكافرة هناك، ويعيش هؤلاء وهؤلاء دون أن يتعرض أحد لدين غيره، سيرفع أهل مكة الأذى عن رسول الله وأصحابه، سيتيحون لهم حرية العبادة، لكن في مقابل أن لا يتكلم رسول الله في معتقدات أهل مكة، أن لا يُسَفّه آلهة قريش، أن لا ينكر عندهم منكرًا ولا يأمر عندهم بمعروف، أن لا ينصح أحدًا بتطبيق أحكام الله على عباد الله، أن لا يتكلم في السياسة، ولا في الحكم ولا في المعاملات ولا في غيرها، فقط يصلون كما يريدون أن يصلوا، ويعتقدون فيما يريدون أن يعتقدوا فيه، ويفصلون بعد ذلك دينهم عن دنيا مكة، فهي إذن علمانية، وما أشبه اليوم بالبارحة!!



في الوضع الضعيف الذي كانت فيه الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت، وقد خرجوا منذ شهور قليلة جدًّا -أقل من ستة أشهر- من الحصار الاقتصادي المريع الذي مر بهم، وفي ضوء السيطرة العسكرية لزعماء قريش على مكة والزيادة العددية لقوات أمنهم، ومع الأخذ في الاعتبار أن نصف الطاقة الإسلامية مهاجرة على بُعد مئات الأميال في الحبشة، في ضوء كل هذه الاعتبارات فإن هذا العرض يعتبر في نظر الكثيرين فرصة، ولو فرصة مرحلية.



لكن في المقابل لو أقرَّ رسول الله بتنازل أو بأمر ما فإنه سيصبح ملزمًا به، فإن استمر على إقراره خسرت الدعوة بعد ذلك الكثير، وإن خالف إقراره كان خائنًا لعهده منكرًا لمواثيقه، وهذا ليس من شيم الصالحين.



إذن الداعية الذي ينظر إلى الأفق البعيد لا يجب أن يقدم تنازلاً في عقيدته أو في دينه أو في شرعه لن يستطيع بعد ذلك أن يستعيده، بل عليه أن يصبر ويثبت وإن كان ظاهرًا أمام العين أن الخسائر كبيرة، وهذا فارق ضخم بين ساسة الدنيا وساسة الآخرة، ساسة الدنيا يسيل لعابهم لأي مكسب أو نصر أو خطوة أمامية، وساسة الآخرة يقيسون الأمور بميزان السماء لا بميزان الأرض، وهذا يعطي لهم ثباتًا على المبدأ ووضوحًا في الرؤية.


ماذا حدث عند أبي طالب؟

لا اله الا الله محمد رسول اللهإن أبا طالب يريد أن يطمئن على ابن أخيه محمد قبل أن يموت، وهو لا يأمن أهل قريش فأراد أن يوفق بين الطرفين، فأرسل إلى رسول الله فجاءه فقال: يابن أخي، هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، ثم أخبره بالذي قالوا، وبالذي عرضوا عليه من عدم تعرض كل فريق للآخر ووقف مكة للأذى على أن تقف الدعوة.



قال له رسول الله : "يا عم، أفلا تدعوهم إلى ما هو خير لهم؟"



قال أبو طالب: وإلامَ تدعوهم؟



قال: "أدعوهم إلى أن يتكلموا بكلمة واحدة تدين لهم بها العرب، ويملكون بها العجم". ورسول الله يقول هذا الكلام والمشركون يستمعون، فتسمرت أقدامهم ودقت قلوبهم وسال لعابهم، ما هذا؟ كلمة واحدة تدين لنا بها العرب ونملك بها العجم، إن أهل قريش ما حلموا يومًا بوحدة العرب تحت قيادة واحدة، ما توقعوا يومًا أن يكون أحدهم ملكًا على العرب جميعًا، وفوق ذلك يملكون العجم!!



إن هذا فوق التخيل وفوق الأحلام، لقد كانت أقصى أحلام أحدهم أن يقف ذليلاً أمام كسرى أو قيصر، فقط يقول: دخلت إيوان كسرى أو وقفت أمام عرش قيصر. وفي قصة هرقل مع أبي سفيان كما سيأتي في أحداث المدينة المنورة خير دليل على ذلك، فقد كان الزعيم القرشي العزيز الشريف، يقف ذليلاً جدًّا أمام قيصر يستجوبه بدقة عن رسول الله وقد أوقف قيصر أبا سفيان أمامه ووضع خلفه مجموعة أخرى من رجال قريش ليكونوا شهداء على أبي سفيان إذا كذب، وفي هذا إهانة كبيرة جدًّا لزعيم بني أمية، ولكن كانوا يقولون: أين نحن من هؤلاء؟



أما الآن فهم يستمعون من رسول الله إلى أمر عجيب، أنهم سيقولون كلمة واحدة تدين لهم العرب ويملكون بها العجم، الفرس والروم وغيرهم، وهم ما جربوا على رسول الله كذبًا من قبل، فماذا يفعلون؟



لم يتردد أبو جهل كثيرًا، وتشوق لمعرفة هذه الكلمة فقال كلمة عجيبة، قال بلهفة: ما هي؟ ثم أقسم: وأبيك لنعطيكها وعشر أمثالها.



قال رسول الله في ثبات: "تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه".



فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن أمرك لعجب.



ثم إن بعضهم قال لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا.



مساكين هؤلاء الكفار، مساكين هؤلاء الذين عاشوا يقاتلون من أجل قضية خاسرة، مساكين هؤلاء الذين أغلقت عقولهم وقلوبهم فلم تذق طعم الإيمان، يتعبون ويسهرون ويكيدون ويدبرون ويحزنون ويتألمون ثم ماذا تكون النتيجة لهذا التعب والسهر الكد والعرق والحياة الضنك؟!



{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124].



مثل تلك المعيشة التي كان يعيشها هؤلاء التعساء في اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات وتدبيرات وترتيبات وحذر وترقب وهلع، لا تطمئن قلوبهم، ولا تهدأ جوارحهم، لا يستطيعون نومًا هادئًا، ولو نام أحدهم بات حوله من يحرسه، ثم هو مع ذلك غير مطمئن ولا آمن، ما أبلغ الوصف الذي وصفه رب العالمين لهذه الطائفة من البشر التي جعلت همَّها وقفَ الدعوة إلى الله {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، وفوق ذلك {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه: 124- 127].



رفض الكافرون كلمة لا إله إلا الله، وأنزل الله في حقهم سورة ( ص) {ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ * كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ * وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * أَجَعَلَ الآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاَقٌ} [ص: 1- 7].



ولا شك أن الصحابة كانوا يعيشون مع سورة ص بطريقة غير الذي يقرأ بها الآيات وهو لا يعيش معناها، فارق ضخم بين الذي يقرأ القرآن للبركة والحسنات فقط، وبين الذي يقرؤه ليتخذه منهاجًا ودليلاً وإمامًا ومرشدًا. لا شكَّ أن الصحابة قد أدركوا -وهم مدركون- من قبل القيمة الحقيقية لهذه الكلمة البسيطة في حروفها العميقة في معانيها وآثارها، كلمة لا إله إلا الله.



روى الترمذي وحسنه وابن حبان والبيهقي والحاكم وصححه وابن ماجه وأحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلاًّ، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لاَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ. قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، فَلاَ يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ".



والصحابة قالوا الكلمة بصدق ويقين، قالوا لا إله إلا الله، وخلعوا من حياتهم كل ما ينافي هذه الكلمة، قالوها بألسنتهم وقلوبهم وعقولهم وجوارحهم، قالوها بالحروف وقالوها بالأفعال، فدانت لهم العرب وملكوا بها العجم، وصدق رسول الله {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النَّجم: 3، 4].



كلمة واحدة تعطونها تدين لكم بها العرب وتملكون بها العجم. هذه الكلمة عندما قالها الصحابة جمعوا العرب جميعًا تحت راية واحدة، ثم تجاوزوا العرب إلى غيرهم، سقطت عروش كسرى وقيصر وغيرهم من ملوك الأرض بجيش لا إله إلا الله، وفتحت بقاع لا تحصى ولا تعد بلا إله إلا الله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، بلا إله إلا الله.



هذا ليس خاصًّا بالصحابة فقط، هذا الفتح والنصر والتمكين لكل من قال لا إله إلا الله بصدق وعمل بها، والذي لم يجعل منهجه (لا إله إلا الله) كان مصيره أن يُسحب بعد ذلك في قليب بدر، ذلة في الدنيا وذلة في الآخرة.



نتيجة هذا الموقف الذي حدث بين زعماء قريش وبين رسول الله ، حدث ما يمكن أن يسمَّى بقطع العَلاقات، ووقف المفاوضات، وتجمّد الموقف نسبيًّا في مكة.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty التاريخ العسكري والسياسي في الجزيرة العربية

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:07 pm

التاريخ العسكري للجزيرة العربية قبل البعثة

التاريخ العسكري للجزيرة العربية قبل البعثةعند الحديث عن التاريخ العسكري للجزيرة العربية قبل الإسلام، فإنه يتبادر إلى الذهن الفرقة والتشرذم، فلم يكن هناك ما يعرف بالجيوش العربيّة أو الجيش العربي، كانت قبائل متفرقة متشرذمة، لا يعرفون إلا حرب الإغارات والسطو، لا يعرفون الجيوش النظامية ولا يحلمون بها أصلاً، فأعدادهم قليلة وسلاحهم قديم، وخططهم بدائية.


الوضع العسكري للجزيرة العربية بعد البعثة

هذا هو الوضع العسكري للعرب، وبعد ذلك جاء الإسلام في هذه البقعة من الأرض، فإذا بالرجال البسطاء يصبحون قادة عسكريين على أعلى المستويات، فلا مجال للمقارنة بين قادة الإسلام العسكريين وغيرهم من أبناء الأمم الأخرى حتى في العصر الحديث، وإذا بالقبائل المتفرقة تكون جيشًا واحدًا مترابطًا، وإذا بالبدو الرُّحل يحاورون ويناورون ويفاوضون ويفتحون البلاد، ويدعون العباد إلى عبادة ربِّ العباد، وليس في التاريخ كله نظير للفتوحات الإسلاميّة من لَدُن آدم إلى الآن، كل هذا في غضون سنوات قلائل جدًّا.



فقد سقطت فارس الدولة الرهيبة العظيمة في غضون ثلاثة عشر عامًا بعد وفاة الرسول ، وكذلك معظم ممتلكات الدولة الرومانية في آسيا وإفريقيا في نفس الفترة.



معجزة عسكرية هائلة بكل المقاييس، من المستحيل تمامًا أن تكون من فعل البشر، وراجعوا- إن شئتم- ماذا يعني العرب وفارس والروم في هذا الوقت؟



كيف كان موقف العرب من كسرى فارس قبل الإسلام؟



كان العرب كأي دولة نامية في مواجهة دولة عظمى الآن، وكان العربي الذي يدخل على كسرى فارس في إيوانه، ويقف على بعد خمسة عشر مترًا منه، يعتبر ذلك فخرًا أَبَدَ الدهر.



لقد كان المغيرة بن شعبة يفتخر في جاهليته بأنه دخل إيوان كسرى، كما تصحب شابًّا -الآن- ليقابل رئيس دولة عظمى.



- كان الفرس يتصدقون على العرب بالقمح لكثرة المجاعات.



- عندما ذهبت الجيوش الإسلاميّة لفتح فارس، تعجب كسرى فارس من تفكير العرب في حرب فارس، ولم يشأ أن يشغل نفسه بحربهم، وأراد أن يصرفهم إلى بلادهم مرة أخرى، فعرض عليهم عرضًا مغريًا من وجهة نظره، أتدرون ما هذا العرض؟ ثوب ودرهم لكل جندي، وللقائد ثوبان ومائة درهم.



كانت هذه هي نظرتهم إلى العرب، وكانت في الحقيقة نظرة واقعية تمامًا بالنسبة لتاريخ العرب وتاريخ فارس.



فالمسلمون -بالفعل- لم يكونوا يجدون شيئًا يلبسونه في بعض الأحيان، تذكر مصعب بن عمير يوم دفن في (أُحُد)، وحذيفة بن اليمان لما ذهب ليأتي بخبر القوم في الأحزاب لبس ملابس زوجته. كيف يفتح هؤلاء البلاد الفارسية العظيمة، والبلاد الرومية الهائلة؟!



إنّ أبا سفيان الزعيم القرشي النبيل والسيد العظيم كان يقف ذليلاً أمام هرقل، وما كان -على شرفه- يستنكر هذه الذلة، فإذا كانوا يقفون أذلةً أمام ملك الحبشة (إثيوبيا) فكيف بملك الدولة الرومانية الهائلة؟!



إذا كان العرب قبل الإسلام لما كشروا عن أنيابهم في غزوة الأحزاب، جمعوا بالكاد عشرة آلاف رجل، فكيف يعقدون العزم بعد إسلامهم على الذهاب لحرب دولة فارس، وجيشها يجاوز المليونين، وبينهما فجوة هائلة في التسليح والإعداد، والحرب في عقر دار الفارسيين في بلاد ما عرفوها ولا ألفوها، وعلى بعد مئات الأميال من المدد؟!



كيف يحدث هذا؟ إنها معجزة بكل المقاييس، أين كان خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو عبيدة بن الجراح، والقعقاع بن عمرو، والمغيرة بن شعبة وغيرهم؟ أين كان هؤلاء العباقرة العسكريون قبل إسلامهم؟



أليس هذا هو خالد الذي كان متحيرًا في سبعمائة مسلم في (أُحُد) بينما كان معه ثلاثة آلاف مقاتل؟ لقد كانت المعركة سائرة في مصلحة المسلمين، وكان خالد مهزومًا لولا مخالفة الرماة لأمر الرسول بعدم ترك الجبل.



ماذا حدث؟ ما الذي جعله يدخل بلاد فارس بثمانية عشر ألفًا من الرجال على ستين ألفًا، وسبعين ألفًا، وثمانين ألفًا، ثم تسعين ألفًا، ثم مائة وعشرين ألف فارس؟!



- كيف ينتصر المسلمون باثنين وثلاثين ألف مسلم في القادسية على ربع مليون فارسيّ؟!



- كيف ينتصر المسلمون في بلاد الأندلس باثني عشر ألفًا من الرجال، وكيف يهزمون في أول معركة لهم مائة ألف إسباني؟!



ألغاز لا تفهم إلا بفهم حقيقة واحدة لا ثاني لها {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفال: 17].


حكمة الرسالة

إن وراء ذلك كله لحكمة.. فلو نزلت الرسالة في بلدٍ له تاريخ عسكري طويل وعظيم ومنظم لاعتقد الناس أن الفتوح كانت بسبب قوة الجيوش وإعدادها وتسليحها وخططها.



ما الإعجاز في أن تفعل ذلك الجيوش الرومانية الهائلة؟ وما الإعجاز في أن تستولي جيوش فارس على الأرض كلها؟



لكن أن تنزل الرسالة في مكة فيحدث هذا الانقلاب في العالم، وتتغير خريطة الأرض تغيرًا جذريًّا في سنوات معدودات، هذا هو الإعجاز بعينه.



والقاعدة التي تؤخذ من هنا هو أنَّ الله دائمًا ما ينصر القلَّة المؤمنة على الكثرة المشركة، نحن لا ندعو المسلمين إلى تقليل أعدادهم، وإضعاف قوتهم، بل هم مطالبون بإعداد ما استطاعوا من قوة، ولكن نقول: إنّ من سنن الله أن يجعل أهل الباطل كثرة {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]. ثم هو ينصر المسلمين الثابتين على دينه والمتمسكين بشرعه، والمعدين لأقصى قوتهم، ينصرهم على الكثرة المشركة، فتظهر المعجزة، ويوقن الجميع أنّ النصر من عند الله ، وليس لسبب آخر.



ويوم تزداد القوة الإسلاميّة حتى يعتقد المسلمون فيها، ولا يعتقدون في ربهم تحدث الهزيمة كي لا يفتن الناس في قوتهم.



واذكروا غزوة حنين، واذكروا العقاب في آخر دولة الموحدين بالأندلس، واذكروا الخندق أيام عبد الرحمن الناصر رحمه الله.



وهكذا نخرج بقاعدة مهمة من هذه النقطة.. وهي أن الجيل الذي يحمل الأمانة لا بد أن يدرك أن النصر بيد الله ، وأن القلة المؤمنة تغلب الكثرة المشركة بإذن الله {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].


نظام الحكم في مكة والجزيرة العربيّة

لم يكن الحكم في مكة مركزيًّا، فلم يكن لمكة حاكم معين، بل مجلس يضم عشرة نواب يمثلون عشر قبائل، فهو يشبه الحكم الديموقراطي.



وقد أفادت كثرة موازين القوى في مكة الدعوة إفادة كبيرة، فقد كان هناك بعض القوانين الوضعية في مكة، استفاد منها رسول الله دون أن يتنازل عن شيء من دينه ولا من عقيدته، ليعلمنا أنّ المسلم الذكي الواعي الفاهم يستطيع أن يستفيد من هذه القوانين طالما يحافظ على دينه، وهذا يرد على غير الفاهمين للسيرة النبوية الذين يقولون: نحن لا نتحاكم لقانون وضعي مطلقًا، وهذا الكلام على إطلاقه ليس صحيحًا، فنحن لا نتحاكم لقانون وضعي إذا تعارض مع شرع الله ، فإذا لم يكن ثَمَّ تعارض فلماذا لا نستفيد منه؟!


استفادة الرسول من القوانين الجاهلية التي لا تعارض الإسلام

وقد استفاد الرسول من هذه القوانين، انظرْ لسيرته العطرة، على سبيل المثال:


قانون الإجارة

لو كان الحكم مركزيًّا مثل فارس والروم ما تمّت هذه الإجارة، وقد استفاد الرسول من قانون الإجارة وهو قانون وضعي، فقد دخل في جوار المطعم بن عديّ المشرك ليحميه.



كما دخل أبو بكر الصديق في جوار ابن الدَّغِنَة المشرك، ودخل عثمان بن مظعون في جوار الوليد بن المغيرة المشرك.


قانون القبلية

وهو قانون وضعي أيضًا استفاد منه رسول الله ، حيث قام بنو هاشم بحمايته عصبيةً له، وبالذات أثناء حياة أبي طالب مع كونهم جميعًا بما فيهم أبو طالب نفسه على الشرك.


قانون الأحلاف

قبل رسول الله بفكرة الأحلاف مع المشركين إذا كان الحلف يهدف إلى أمر نبيل، ولا يتعارض مع الدين الإسلامي. روى أحمد عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَن النَّبِيِّ قَالَ: "شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ (تحالف بين بني هاشم وبني تيم وزهرة على نصرة المظلوم) مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلاَمٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ". وبعد صلح الحديبية حالف رسول الله قبيلة خزاعة، وكانت على الشرك.



إذن استفاد رسول الله من تعدد موازين القوى، ومن قوانين المجتمع الوضعية ما دامت لا تتعارض مع الدين والشرع والعقيدة.



وهي حكمة ما كانت لتظهر في بلدٍ له حكم دكتاتوري كفارس والروم.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty وجاء الأنصار لرسول الله

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:07 pm

قام رسول الله من مجلس بني شيبان الذين فاتهم الإيمان في هذا المجلس، وانتقل مباشرة إلى مجلس مجموعة صغيرة قليلة من الرجال سمعهم يتكلمون، وكان رسول الله لا يترك كبيرًا ولا صغيرًا، ولا كثيرًا ولا قليلاً إلا دعاه للإسلام.



ذهب إليهم بنفس الحماسة والنشاط، وجلس إليهم وكان عددهم ستة، فقال لهم: "مَنْ أَنْتُمْ؟" قالوا: نفر من الخزرج.



والخزرج هي إحدى قبيلتين كبيرتين قبيلة الأوس وقبيلة الخزرج، تسكنان يثرب، ويثرب مدينة في شمال مكة على بعد حوالي خمسمائة كيلو متر أو أقل قليلاً، فسألهم رسول الله سؤالاً مهمًّا جدًّا.



قال لهم : "أَمِنْ مَوَالِي الْيَهُودِ؟" يعني حلفاء اليهود.



قالوا: نعم.


وجاء الأنصار

رسول الله رجل يطَّلع على أحوال زمانه، ويدرس بعناية موازين القوى في العالم في ذلك الوقت، فكما كان يعرف وضع بني شيبان ومملكة فارس، وخطورة أن يتعاهد مع بني شيبان وعين لهم معه، وعينهم الأخرى مع كسرى، فهو يعلم أن اليهود يسكنون يثرب وأنهم قوة سيكون لها أثر على الدعوة، وسيكون لها أيضًا أثر على من يسكن بجوارهم من الأوس والخزرج، ولا بد أن يؤخذ في الاعتبار عند المباحثات مع الخزرج، وكون الخزرج يسكنون بجوار اليهود ويحالفونهم فهذا أمر له إيجابياته وله أيضًا سلبياته؛ فمن إيجابياته أن اليهود قوم نزل فيهم أنبياء كُثُر، ولا بد أن الحديث عن الأنبياء أمر مألوف في يثرب، ولن يستغرب الخزرج الحديث عن أن الله أرسل رجالاً إلى البشر، كما أن اليهود يعلمون أن هذا الزمان قد أظل نبيًّا ولعلهم يتوقعون ظهوره بين لحظة وأخرى، ولعلهم في حديثهم مع الخزرج أشاروا إلى ذلك.



إذن فالخلفية الثقافية للخزرج تعطي إحساسًا أنهم قد يتقبلون فكرة الرسالة والرسول، ومن ناحية أخرى فسكن الخزرج بجوار اليهود ومحالفتهم لهم له آثاره السلبية، فاليهود كما جاء في كتاب الله أهل غدر وخيانة، وقد سطر القرآن المكي أفاعيلهم الشنيعة مع أنبيائهم السابقين، وذكر القرآن المكي بالتفصيل ما فعلوه مع موسى ، وما فعلوه مع عيسى ، وما فعلوه مع غيرهم من تكذيب وإهانة وإنكار واستخفاف وصل إلى حد القتل مع بعضهم ومحاولة القتل مع عيسى ، هؤلاء هم اليهود، فماذا سيفعلون مع رسول الله ؟ سؤال ستجيب عليه الأيام القادمة، ولكن رسول الله الآن يجلس مع بعض الخزرج، ولا بد أن يضع كل هذه الاعتبارات في ذهنه عند الحديث إليهم.



قال الرسول : "أَمِنْ مَوَالِي الْيَهُودِ؟"



قالوا: نعم.



قال: "أَفَلا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟"



قالوا: بلى.



فجلس معهم رسول الله ، ودعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام وقرأ عليهم القرآن الكريم، فبلغ القرآن منهم كل مبلغ، وعلموا أنه الحق، وأن هذا رسول، لكن كم من البشر قبل ذلك عرفوا هذه الحقائق ولم يؤمنوا، كم من البشر في مكة وغيرها علموا أن هذا القرآن ليس في مقدور البشر، وأن هذا الرجل صادق لا يكذب ومع ذلك لم يؤمنوا، أما هؤلاء الستة من الخزرج فقد آمنوا من ساعتهم.



كيف آمنوا؟ وكيف قبلوا في مجلس واحد أن يغيروا من الدين الذي ولدوا وهم يعرفونه إلى دين جديد لم يسمعوا عنه إلا من دقائق؟! وكيف أخذوا في لحظة قرارًا قد يضعهم في ناحية والعرب جميعًا، بل والعالم في ناحية أخرى؟



هذا تدبير رب العالمين، هذا تدبير اللطيف الخبير.



لقد جهز الله هؤلاء النفر ليؤمنوا، جهزهم الله في خفاء فهو اللطيف سبحانه، جهزهم بطريقة لا يحسب لها بشر حسابًا، ولكنه تقدير العزيز العليم.


انظر وتأمل
أولاً: خلفية العلاقة مع اليهود

اليهود خلق عجيب، كانوا يعلمون أنه قد اقترب ظهور نبي آخر في الزمان، وكانوا يتوقعون أو يرغبون أن يكون منهم وفيهم، فمعظم الأنبياء السابقين كانوا منهم وفيهم، وكانت لهم طبيعة جافة قاسية منكرة، فكان إذا حدث بينهم وبين الأوس والخزرج خلاف قالوا لهم أنه سيظهر في هذا الزمان نبي، وسوف نتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم. سبحان الله! بدلاً من أن يقولوا سيظهر نبي نتبعه وندعوكم إلى الإيمان به واتباع سبيل الأنبياء، يقولون إنه سيتبعونه ليقتلون به الأوس والخزرج، فنتيجة هذه الأخلاق الفاسدة حدث أمران جليلان:



الأمر الأول: أنه قد وقر في قلوب الأوس والخزرج بغض شديد لليهود، ولم يكن التحالف بينهم إلا للمصالح المادية فقط، ومن ثَمَّ فإن انفصال الأوس والخزرج عن اليهود كان أمرًا ميسورًا نسبيًّا.



الأمر الثاني: أن الأوس والخزرج كانوا يقتنعون بقرب ظهور الرسول أو على الأقل يعتقدونه أمرًا محتملاً ممكنًا، وهم في الوقت ذاته يخافون منه، ومن اتحاد اليهود معه ضدهم؛ ولذلك عندما علموا أن هذا هو النبي المنتظر قالوا لا نضيع الفرصة، بل نسرع بالإيمان به، فلو عدنا إلى يثرب نفكر ونفكر، ونتروَّى ونتروى، قد يعلم اليهود بأمر هذا الرسول فيسبقوننا إليه.



ظهر هذا واضحًا في كلامهم أمام الرسول ، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود، فلا تسبقنكم إليه.



فانظر إلى تدبير رب العالمين وتأمل، لولا غلظة اليهود ما أخذ الخزرج قرارهم بهذه السرعة، ولكن الله يفعل ما يشاء.


ثانيًا: الخلفية الاجتماعية لمدينة يثرب في ذلك الوقت

الأوس والخزرجكانت يثرب تضطرم نارًا في حرب أهلية طاحنة بين الأوس والخزرج، حدث ذلك في يوم بُعاث المشهور، وفني خلق هائل من القبيلتين، وما زالت بقايا الحرب مستمرة، ولو استمر الحال على ما هو عليه لفنيت القبيلتان، ومن ثَمَّ فإن الخزرج الستة الذين جلس معهم الرسول في هذا المجلس كانوا يفكرون في حل لهذه الأزمة الرهيبة التي تعصف بيثرب، فلما جلسوا مع رسول الله أدخل الله في تفكيرهم فكرة رائعة، أن هذا الرجل بما له من حلاوة منطق وحسن بيان وقرآن معجز ووحي صادق، يستطيع أن يجمع القبيلتين تحت لوائه، وبذلك يحفظ القبيلتين من الهلكة ويؤلف بينهما بعد الشقاق.



فكانت هذه الخلفية الاجتماعية المهلهلة سببًا في سعي هؤلاء النفر من الخزرج إلى اتباع الرسول للخروج من هذا المأزق، ظهر ذلك أيضًا بوضوح في كلامهم مع رسول الله بعد أن أعلنوا إيمانهم، فلقد قالوا له: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك.



فقهت ذلك السيدة عائشة فقهًا جيدًا، فقالت كما جاء في البخاري: "كَانَ يَوْمَ بُعَاثَ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِ اللَّهِ وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ (أي أشرافهم) وَجُرِّحُوا؛ فَقَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي دُخُولِهِمْ لِلإِسْلامِ".


ثالثًا: اختيار رباني

الله اختار مجموعة من الرجال العقلاء الحكماء أصحاب الأخلاق الرفيعة حتى يلاقوا الرسول في هذا اللقاء المهم، فهذه فرصة للإيمان قد حدثت لكثير من الناس، لكن لم يرد الله لهم الهداية لعيوب خطيرة في هؤلاء الناس من كبر وظلم وفاحشة وسلبية وأمراض كثيرة، أما هؤلاء الستة فلم يكونوا على هذه الشاكلة، بل كانوا من أفضل الناس طباعًا وأخلاقًا.



من هؤلاء الستة، إنهم:

1- أسعد بن زرارة .

2- جابر بن عبد الله .

3- عوف بن الحارث .

4- رافع بن مالك .

5- قطبة بن عامر .

6- عقبة بن عامر .

والأخيران ليسا بأخوين نسبًا.


مميزات رهط الخزرج

هؤلاء الستة تميزوا بأمور في غاية الأهمية، فوق ما تميزوا به من عقل وذكاء وحكمة:



أولاً: تميزوا بالقرار الحاسم غير المتردد، فاستطاعوا في لحظات أن يأخذوا أهم قرار في حياتهم على الإطلاق وهو الدخول في الإسلام واتباع الرسول ، هذا القرار الذي أعقبه سعادة الدنيا والآخرة.



ثانيًا: اتصافهم بأعلى الدرجات الإيجابية المتخيلة، فهؤلاء بعد أن اقتنعوا بهذا الدين وهذا الرسول لم يكتفوا بإيمانهم، بل قالوا قولاً عجيبًا مع أنه لم يمضِ على إيمانهم إلا دقائق.



قالوا: فسنقدم على قومنا يا رسول الله، فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك.



هكذا في بساطة أصبحوا دعاة إلى الله ، وأخذوا على عاتقهم تغيير الأوضاع كلية في يثرب، هكذا بعلمهم القليل وفقههم المحدود، قمة الإيجابية، وصدق الرسول الكريم الذي يقول: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً".



وانطلق المؤمنون الستة إلى يثرب يحملون الرسالة الجديدة، فكما يقول الرواة: لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله . لقد قام هؤلاء الدعاة الجدد بدور التعريف بهذه الدعوة العظيمة، نعم لم يؤمن من أهل يثرب الكثير، لكن الكل أصبح يعرف هذه الرسالة، بل ويجلّ هذه الرسالة، وعندما يأتي بعد ذلك مصعب بن عمير ليقوم بأمر الدعوة هناك سيجد أرضًا خصبة جدًّا لهذه الدعوة، لقد مهد له هؤلاء الستة، قليلون في عددهم ولكن ما أثقلهم في ميزان الله ، وما أبلغ أثرهم في تاريخ البشرية، وليتنا نستوعب درس السبق في هذا المقام.



ثالثًا: تميز هؤلاء النفر بأمر ثالث مهم وهو القلب الرقيق والعاطفة الجياشة، وهي صفات لا تميز هؤلاء فقط، بل تميز معظم أهل يثرب والذين أصبحوا بعد ذلك الأنصار، وقد يرجع هذا إلى جذورهم اليمنية، فإن أهل اليمن اشتهروا برقة القلب، وقد أكد على ذلك رسول الله حين قدم الأشعريون من اليمن، قال كما جاء في البخاري: "أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ، وَهُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَلْيَنُ قُلُوبًا".



وهكذا فإن النظر المحلل بصورة سطحية لأحداث هذه الفترة قد يعتقد أن النصر بعيد، وأن الظروف صعبة لدرجة يستحيل فيها قيام أمة الإسلام إلا بعد قرون وقرون، ولكن سبحان الله في الوقت الذي تعثرت فيه المفاوضات مع القبائل الكبيرة القوية، أفلحت المفاوضات مع مجموعة صغيرة حملت على عاتقها هذه الدعوة، وسوف يمر عامان فقط أو أكثر قليلاً وسيصبح للمؤمنين دولة، هل تصدقون؟!



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty اللغة العربية

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:08 pm

أهمية اللغة العربية

أهمية اللغة العربيةلعل من الحكمة أيضا من نزول الرسالة في مكة أنها بلد يتحدث العربيّة. فاللغة العربيّة هي أشرف اللغات، وبها نزل القرآن الكريم، وهي لغة أهل الجنة، والقرآن كلام الله ، ولم ينزله الله I بهذه اللغة لأجل أهل الجزيرة العربيّة فقط، بل أنزله للعالم بأسره، في زمان رسول الله وبعد زمانه إلى يوم القيامة.



كان هناك الكثير من اللغات، واستحدث غيرها من اللغات على مر التاريخ، وستكون هناك لغات أخرى إلى يوم القيامة، ومع ذلك فإن الله أراد لهذا القرآن وهذا المنهج أن يكون باللغة العربيّة.



والله سبحانه يعلم أنّ اللغة العربيّة قد تكون أقل انتشارًا من اللغة الإنجليزية مثلاً أو الصينية، وقد تكون هناك شعوب كثيرة تتحدث الفرنسية وأخرى كثيرة تتحدث الأردية، وثالثة تتحدث الأسبانية، لكن مع علم الله هذا إلا أنه أنزل القرآن باللغة العربيّة.


مميزات اللغة العربية

إنّ الحكمة الكاملة من نزول القرآن الكريم باللغة العربية لا يعلمها إلا الله I، ولكن من المعلوم والواضح أنّ اللغة العربيّة ثرية جدًّا، بل هي أثرى لغة عُرفت في الأرض، الشيء الواحد له أكثر من اسم في هذه اللغة العظيمة:



فالعسل له ثمانون اسمًا، والثعلب له مائتا اسمٍ، والأسد له خمسمائة اسمٍ، والسيف له ألف اسمٍ. وإذا أردت أن تصف أحدًا بأنه داهية فلديك أربعة آلاف اسم يمكنك أن تسميه به. كما أن الكلمة الواحدة وبنفس ضبطها، قد يكون لها معانٍ كثيرة لا تحصى.



كل هذا أعطى اللغة العربيّة إمكانات هائلة، فتنزل الآية بكلمات قليلة محدودةً، ومع ذلك فإنها تحمل من المعاني ما لا يتخيل حصره، وكلما نظر مفسِّر في الآية استخرج منها معاني معينة، وقد ينظر المفسر الواحد في الآية أكثر من مرة، فيخرج منها كل مرة بمعنى جديد إضافي، وتمّر الأزمان والأزمان ويأتي مفسرون يستخرجون معاني جديدة، وصدق عليُّ بن أبي طالب عندما وصف القرآن بأنه: لا يَخْلق (أي لا يبلى) من كثرة الرَّدِّ، أي من كثرة الترديد والقراءة.



وكانت كلمات الرسول أيضًا باللغة العربيّة، وآتاه الله جوامع الكلم، فكان يقول الحديث من الكلمات القليلة جدًّا، فإذا به يحوي أحكامًا لا تنتهي. فهي لغة عجيبة جدًّا.



وما دام الله I قد اختار أن ينزل القرآن باللغة العربيّة، فلا بد أن ينزله إلى قوم يتحدثون العربيّة، بل وصلوا فيها إلى أعظم درجات الإعجاز البشري، فصار لديهم إتقان عجيب للغة، والتصرف فيها كما يشاءون.



اللغة في ألسنتهم سهلة لينة طيعة، والشعر عندهم أمره عجيب، فالمعلقات الهائلة كانت تعلق في الكعبة، وهم يقولون الشعر في كل الظروف؛ في الفرح والحزن، في الحرب والسلم، حتى قبل الموت والسيوف على الرقاب يقولون الشعر، والمعارضة بالشعر فنٌّ أصيل لديهم، يقول الواحد منهم بيتًا، فيرد عليه آخر فورًا ببيت على نفس الوزن ونفس القافية، وفي نفس المعنى.


الإعجاز القرآني الفريد

الإعجاز القرآني الفريد ونحن قد رأينا نجاح التجربة الإسلاميّة في الجزيرة العربيّة، ولا بد أنّ من عوامل نجاحها إتقان أهل هذه البقاع للغة العربيّة، وذلك لأنه أولاً: كان أدعى لإيمان الناس بكلام الله ، وبإدراك الإعجاز الإلهي في كل سورة وفي كل آية، قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 198، 199].



العرب المتقنون للغة أدركوا من اليوم الأول، ومن اللحظة الأولى أن هذا كلام معجز.



لم ينقدوا آية واحدة من آيات القرآن الكريم، ولم يعارضوا القرآن بمثله أبدًا، لم يجتمع شعراؤهم وأدباؤهم وحكماؤهم ليؤلفوا آية واحدةً مع تحدي القرآن لهم بتأليف قرآن مثله أو عشر سور أو حتى سورة واحدة، فلم يستطيعوا وما حاولوا، إنهم في حالهم هذه كرجل قويٍّ طلبت منه حمل عمارة سكنيّة، إنه قويُّ فعلاً، ولكنّ حمل العمارة بالنسبة له حلم كالمعجزات، إذن معرفة العربيّة أدعى لفهم الإعجاز العجيب في كتاب الله.



وليس هذا مقصورًا فقط على الإعجاز اللغوي، بل أي نوع من أنواع الإعجاز في القرآن يحتاج فهمًا دقيقًا للغة، وإتقانًا بارعًا لها، حتى الإعجاز العلمي الذي نتكلم فيه في عصرنا هذا، كيف لنا أن نستخرج الإعجاز العلمي الذي نتكلم فيه في عصرنا هذا من القرآن دون فقه اللغة ومعرفة معنى الكلمات والآيات، والمقصود من ورائها.



والذي يقرأ تراجم معاني القرآن بأي لغة يدرك تمامًا أن كثيرًا من الإعجاز يختفي عند ترجمة المعاني للغة الأخرى، ويدرك بوضوح قصور أي لغة عن الوصول إلى ما وصلت إليه اللغة العربيّة، ويدرك كذلك أنّ الذي يحمل هذه الأمانة أمانة إقامة أمة إسلاميّة قوية لا بد أن يكون متقنًا للغة العربيّة، معظمًا لها، مربيًا أولاده ومجتمعه على احترامها وتقديرها ودراستها دراسة متعمقة تقرب إليه معاني القرآن الكريم، ومعاني الحديث الشريف، فيستطيع أن يفهم مصادر التشريع، ثم يستطيع بعد ذلك أن يتحرك بهذه الرسالة.



أخبرني كيف يمكنك أن تترجم قول الله : {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44].



إن تسعين بالمائة أو أكثر من جمال الآية وإعجازها يضيع إذا ترجمت إلى لغة أخرى، ويمكنكم أن تراجعوا ترجمات معاني القرآن الموجودة بأي لغة لتتأكدوا مما أقول.



وكذلك الحديث الشريف لا يمكن لأحدٍ أن يستمتع به ويفهمه وينقله لغيره لو ترجم لغير اللغة العربيّة.



إن الرسول كان يكتفي في كثير من الأوقات بقراءة القرآن على الناس فيؤمنوا به، أو على الأقل يقتنعون أنه الحق، لأنهم يعلمون أنَّ هذا الكلام لا يمكن أن يكون من كلام البشر.



أمّا الآن فإن اللغة العربيّة بالنسبة لكثير من أبناء هذا الجيل أصبحت طلاسم، وقد صارت طوائف كثيرة من المسلمين كالأعجمين الذي قال الله في حقهم كما ذكرنا منذ قليل: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 198، 199].



نريد أن نتأثر بالقرآن مثلما كان الأولون يتأثرون به، ولن يكون هذا بغير لغة.



سيمر علينا في السيرة إسلام عمر بن الخطاب ، وقد كان بسماع بضع آيات من صدر سورة طه.



كذلك آمن الطفيل بن عمرو الدوسي لسماع آيات الله تتلى، وهكذا آمن أسيد بن حضير وسعد بن معاذ جميعًا.



كما روى البخاري عن جبير بن مطعم قال: سمعت النبي يقرأ في المغرب بالطور، وكان جبير في ذلك الوقت مشركًا يزور المدينة، يقول جبير: فلما بلغ الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ} [الطُّور: 35- 37] قال: كاد قلبي أن يطير.



ثم مال جبير إلى الإسلام وأسلم.



بل كان هذا الأثر يحدث عندما يتلى القرآن على الكفار، وسيأتي موقف عتبة بن ربيعة، وموقف الوليد بن المغيرة، وموقف زعماء بني شيبان، وموقف زعماء بني عامر.



كلهم كان يتأثر بالقرآن لمعرفتهم الكاملة باللغة العربيّة، وإن كانوا لا يتبعونه لأسباب أخرى، سنذكرها إن شاء الله.


جهود أعداء الأمة في مقاومة اللغة العربيّة

إذن من أهم عوامل نجاح الرسالة الإسلاميّة في هذا المكان الذي نزلت فيه هو إتقان الدعاة للغة، وكذلك إتقان المدعوِّين لها، ولذلك كان من همِّ المحاربين للإسلام الذين فقهوا هذه النقطة جيدًا أن يضربوا اللغة العربيّة في أعماقها، وهم يدركون أنه لو وقعت اللغة العربيّة سيقع ما بعدها من الشرع. لذا فإن من أول أعمال (أتاتورك) عندما بدأ في علمنة تركيا هو إلغاء اللغة العربيّة.



- اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إبَّان احتلال بريطانيا لمصر أراد أن يضرب الأزهر والمدارس الدينية، فماذا فعل؟ لم يغلقها حتى لا يثير الناس، ولكنه أنشأ مدارس علمانية بجوار الأزهر تكون الإنجليزية هي لغتها الأساسية، ثمَّ فتح لخريجي هذه المدارس فرص عمل في البلد بأجور أعلى من فرص العمل المتاحة لأبناء الأزهر والمدارس الدينية، ومن ثَمَّ توجه الناس لإدخال أبنائهم مدارس اللغات بحثًا عن فرص عمل أفضل، وزهد الناس في الأزهر، وزهدوا في اللغة، ثمَّ زهدوا بعد ذلك في الشرع.



إنَّ اليهود عندما أرادوا أن ينشئوا دولتهم على أرض فلسطين، وجمعوا شتاتهم من بقاع الأرض، ماذا فعلوا؟ لقد علموا أبناءهم اللغة العِبرِية إلى درجة الإتقان قبل أن يأتوا بهم إلى أرض فلسطين، ثمَّ أنشئوا الجامعة العبرية أول نزولهم الأرض فلسطين، ودَرَّسوا مناهجهم باللغة العبرية كلغة أولى وليست ثانية، وهم بذلك حققوا أكثر من هدف:



1- زرعوا العز في قلوب اليهود للغتهم ومن ثَمَّ لدينهم.



2- حدث التواصل بين اليهود الذين جاءوا من بلاد شتَّى.


أضرار فقدان اللغة المشتركة بين المسلمين

مأساة ضخمة أن يفقد المسلمون التواصل بينهم لعدم وجود لغة مشتركة، فالأمة الإسلاميّة تتحدث عشرات اللغات، أليس عيبًا أن يضطر المصري أن يتكلم مع الباكستاني -مثلاً- باللغة الإنجليزية ليفهم أحدهما الآخر رغم كون الاثنين مسلميْن؟!



فوق ذلك فداخل البلاد التي تتكلم العربيّة عشرات اللغات العامية، وأقول اللغات وليس اللهجات، فكل كلمة أصبح لها بدائل لا تمتُّ للغة العربيّة بصلة، وأصبح من الصعب جدًّا على مسلمي قطر عربي أن يفهموا مسلمي قطر عربيٍّ آخر، وهذا من العجب.



والطامة الكبرى أن يظهر جيل يفتخر بأنه لا يحسن العربيّة، ويفتخر الأب، وتفتخر الأم أن الابن يتكلم الإنجليزية بطلاقة، ولا يفقه شيئًا من العربيّة.


تعلم اللغات الأجنبية

ومن الجدير بالذكر أن أشير هنا إلى أنني لست ضد تعلم اللغات الأجنبية، أبدًا بل أحبِّذ ذلك وبشدة، ولكن ليس على حساب اللغة العربيّة.



إننا يجب أن نصل باللغة العربيّة إلى جميع آفاق الأرض لنعلم الناس القرآن، وحديث رسول الله ، فإن كنا لا نستطيع ذلك الآن، فليس أقل من أن نحافظ على اللغة العربيّة في ديارنا.



وليعلم المسلمون أنّ من أهم وسائل إعادة بناء الأمة الإسلاميّة: الاهتمام باللغة العربيّة، وتعليمها لغيرنا، وتجميلها في عيون أبنائنا.



إذ هنا قاعدة مهمة نخرج بها من هذه النقطة، وهي الجيل الذي يُرجَى على يده إصلاح شأن الأمة جيل يتقن العربيّة ويعظمها، وليس هذا من منطلقٍ قوميٍّ، أبدًا، فلا فضل لعربيٍّ على أعجمي إلا بالتقوى، ولكن من منطلق أنّ من تكلم العربيّة فهو عربي، ولو كان من عرق مختلف، فالباكستاني الذي يجيد العربيّة عربيّ، والإندونيسي الذي يتقنها عربيُّ، والأمريكي الذي يحسنها عربي، إنما العربيّة اللسان.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty صفات العرب وأخلاقهم

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:09 pm

أخلاق العرب

لعل من حكم نزول الرسالة في هذا المكان، وهي حكمة مهمة جدًّا ولها تفريعات كثيرة، فرغم ما وجد في البيئة العربيّة من أدواء كالظلم والقهر والعصبية، فقد وجد أيضًا صفات أصيلة في فطرة ساكني هذه المنطقة تساعد على حمل الدعوة ونشر الرسالة، جُبِلُوا عليها وأحبُّوها.



وهذه الصفات لا بد من توافرها في كل داعية، ولو لم توجد فمن المستحيل أن يستطيع ذلك الداعية حمل رسالة الإسلام، ومن هذه الصفات:


الصدق

خلق الصدقوهي أهم صفة مميزة للداعية، وهو أيضًا أهم صفة مميزة لرسول الله فهو الصادق الأمين، ومَن أكثر من ساعده في دعوته؟ إنه أبو بكر الصديق، فصفة الصدق أساسية في الذي يحمل هذا الدين.



فَكِّر معي: ماذا لو أنزلت الرسالة على قوم كَذَّابين؟



أرأيت ماذا فعل اليهود والنصارى في دينهم؟ إن الله يقول عنهم: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].



نعم، إنَّ الإسلام يحول الكذاب صادقًا بعد إيمانه، ولكن ليس بالصورة التي فطر الإنسان فيها على الصدق.



إن العرب كانوا يأنفون من الكذب، ويستنكر أحدهم أن يكون كاذبًا، فيأتي الإسلام بعد ذلك يجمل ويحسن ويعظم قيمة الصدق عند الصادقين، ويربط الصدق بالجنة، وبرضا الله سبحانه، لكن في النهاية كان الصدق مغروسًا بداخلهم، ولم يكن من الممكن للعربي أن يكذب.


موقف أبي سفيان مع هرقل

انظر إلى هذا الموقف الذي دار بين أبي سفيان، وهو مشرك بعد صلح الحديبية، وهرقل ملك الروم، كما ورد في صحيح البخاري؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟

فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا.

فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ.

فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ (وفي لفظ ابن إسحاق: فوالله لو كذبت ما ردُّوا عليَّ، ولكنِّي كنت امرأً سيدًا أتكرم على الكذب) ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟

قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.

قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟

قُلْتُ: لاَ.

قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟

قُلْتُ: لاَ.

قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟

فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.

قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟

قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ (إنه يعظم شأن الإسلام بكلامه هذا).

قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟

قُلْتُ: لاَ.

قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟

قُلْتُ: لاَ.

قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟

قُلْتُ: لاَ، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ (أي لم يستطع تشويه صورة الرسول الكريم إلا بالإيحاء أنه ربما يغدر رغم إقراره أنَّ النبيّ لم يغدر قبل ذلك ).

قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟

قُلْتُ: نَعَمْ.

قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟

قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا (كغزوة بدر) وَنَنَالُ مِنْهُ (كغزوة أحد).

قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟

قُلْتُ (وانتبه هنا لكلام أبي سفيان): يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.



إنه داعية للإسلام بكلامه هذا؛ لأنه لا يستطيع أن يكذب، لخَّص لهرقل كل ما قاله النبي في حياته؛ لأنه يكره الكذب.



إنَّ الرسالة عندما تنزل على قومٍ كهولاء يكرِّمون الصدق، فإنهم سيبلغونها للناس كما هي. إذن فصفة الصدق مهمة جدًّا، وكانت موجودة في أهل الجزيرة العربيّة، ولم تكن موجودة في أهل الأرض في ذلك الزمن.


الكرم

وهي الصفة الثانية العظيمة جدًّا، والتي كانت موجودة في العرب، وهي صفة أصيلة فيهم، فقد كان حاتم الطائي ممّن يضرب بهم المثل في الكرم، وقد كان من كرمه أنه يعتق العبد إذا جاءه بضيف، ومن العرب من لم تكن له إلا ناقة واحدة، فيأتيه ضيف فيذبحها له.



وقد سمَّت العرب العنب كرمًا، فلماذا؟



لأن العنب تستخرج منه الخمر، والخمر تذهب عقل شاربها، فيبدأ في الإنفاق بلا حساب، لذا سمَّوا العنب كرمًا لحبهم للإنفاق.



بالطبع جاء الإسلام ليهذب هذه الصفة الجميلة، فلا يصل الأمر إلى حدِّ الإسراف والسفه، كما لا يصل إلى حدِّ حُبِّ الخمر لأنها تشجع على الكرم، بل حرم الله الخمر، ونهى النبي عن تسمية العنب بالكرم، وقال: "إِنَّمَا الْكَرْمُ الْمُؤْمِنُ"؛ ليشجع المسلمين على الكرم، ولكن ليس لدرجة أن تشرب الخمر، أو أن تسرف وتتصف بالسفه.


وفِيمَ نحتاج الكرم في إنشاء الأمة الإسلامية؟

إن صفة الكرم مهمة جدًّا لجيل التغيير؛ لأن الله عندما يتحدث عن صفات الناس الذين سيتحملون مسئولية الدين يجعل نصف الجهاد في سبيله جهادًا بالمال، نصف الجهاد يحتاج الكرم {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ} [التوبة: 20]، {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].



وكثير من آيات القرآن جاءت على هذا المنوال، حيث يقدم الله I الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.


نماذج الكرم بين الصحابة

انظروا إلى أثر هذه الصفة في الدعوة:

- أبو بكر الصديق الكريم أنفق الكثير من ماله بل ماله كله في إعتاق العبيد، وتجهيز الجيوش، والإنفاق على الهجرة من ماله.



- عثمان بن عفان جهّز جيش العسرة على نفقته، واشترى بئر رومة، وتوسعة المسجد النبوي، وإطعام المدينة في زمن القحط، كل ذلك شارك فيه بنفقته.



- عبد الرحمن بن عوف تصدق بقافلة تجارية كاملة مكونة من سبعمائة ناقةٍ في سبيل الله .



- طلحة بن عبيد الله أنفق سبعمائة ألف درهم في ليلة واحدة على الفقراء.



هذه النماذج لا يمكن أن توجد لو كان في الناس بُخل فطري، فالرجل الذي يتصف بالبخل من الصعب أن يصل إلى هذه الدرجات، وبناء الأمم يحتاج إلى كرماء، وإلى بذل وإنفاق.



هذا الدرس تعلمناه من نزول الرسالة في أرض مكة والجزيرة العربية.


الشجاعة

كان العرب قبل نزول الرسالة عليهم يفتخرون بالموت قتلا، ويستهينون بالحياة تمامًا، ليس عند العربي مانع أن يفقد حياته وفاءً لكلمته، أو دفاعا عن صديقه، أو حماية لجواره.



قال أحدهم لمَّا بلغه قتل أخيه: إن يقتل فقد قُتل أبوه وأخوه وعمه، إنا والله لا نموت حتفًا (ميتة طبيعية في فراشه) ولكن قطعًا بأطراف الرماح، وموتا تحت ظلال السيوف.



وإذا كنا قد ذكرنا أن نِصف الجهاد بالمال، فالنصف الآخر بالروح، وهذا أشق، إن بناء الأمم كما يحتاج إلى أموالٍ وكرم، فهو يحتاج إلى أرواح وهمم.



إن الجبان قد يقتنع بقضية ما، لكن قلبه لا يقوى على الإقدام عليها، أمّا العرب فكانت شجاعتهم فطرية، وقد ساعد هذا الأمة الإسلاميّة أن تنشأ وتنمو بسرعة في هذه البيئة.



ولقد رأينا أثر هذه الشجاعة في بناء الأمة المسلمة.


نماذج الشجاعة بين الصحابة

فهذا خالد بن الوليد كان يبدأ المعارك بنفسه ويقول: إذا رأيتموني حملت على العدو فاحملوا. فأول إشارة للقتال ضد العدو أنه تحرك، رغم أنه هو القائد، ويستطيع أن يقف في المؤخرة، ولكنه لم يكن خائفًا من الموت ولا يهتم به.



البراء بن مالك ألقاه جيش المسلمين في معركة اليمامة داخل حديقة الموت -وبها أربعون ألفًا من المرتدين- حتى يفتح لهم الباب من الداخل، ولم يهتم لأن قضية بقائه على قيد الحياة لا تهمه.

جاء الإسلام ليهذب هذه الصفة -الشجاعة- ويجعلها خالصةً لله، أي مِت شجاعًا لتدخل الجنة، أما الجبان فمن الصعب جدًّا أن تزرع فيه هذه المعاني.



انظر ماذا فعل الجبن في بني إسرائيل {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 21-24].



وعلى الجانب الآخر انظر إلى قول المقداد يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، ولكن امضِ ونحن معك. فكأنه سُرِّي عن رسول الله . رواه البخاري. وفي رواية أحمد: "ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون".



إذن كانت الشجاعة صفة في غاية الأهمية لبناء الأمة الإسلاميّة.


العزة

وهي صفة أخرى من الصفات المهمة كانت موجودة في العرب، فالعربي بفطرته يأبى أن يعيش ذليلاً، يأنف من الذل، يرفض الضيم، يعشق الحرية.



استمع إلى قول عنترة وقد عاش ومات مشركًا قبل نزول الإسلام:

لاَ تَسْقِنِي مَاءَ الْحَيَاةِ بِذِلَّةٍ *** بَلْ فَاسْقِنِي بِالْعِزِّ كَأْسَ الْحَنْظَلِ

مَاءُ الْحَيَاةِ بِذِلَّةٍ كَجَهَنَّـمَ *** وَجَهَنَّمُ بِالْعِزِّ أَطْيَـبُ مَنْـزِلِ



وبالطبع لم يكن عنترة يؤمن بجهنم، فقد كان مشركًا ولكنّ جهنم بالنسبة إليه هي النار الشديدة.


موقف عمرو بن كلثوم

جلس عمرو بن هند ملك الحيرة مع أصحابه، فقال لهم: هل تعلمون أنّ أحدًا من العرب تأنف أمه خدمة أمي؟ قالوا: نعم، عمرو بن كلثوم الشاعر التغلبي.



فدعا الملك عمرو بن كلثوم لزيارته، ودعا أمه لتزور أمه واتفق الملك مع أمه أن تقول لأم عمرو بن كلثوم بعد الطعام: ناوليني الطبق الذي بجانبك، فلما جاءت، قالت لها ذلك، فقالت أم عمرو بن كلثوم: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها. فأعادت عليها الكرَّة، وألحَّت، فصاحت ليلى أم عمرو بن كلثوم: واذُلاَّه، يا لَتغلب.



فمن الذي سمع؟ إنه عمرو بن كلثوم، فاشتد به الغضب، ورأى سيف الملك، معلقًا في الحجرة، فتناوله، وضرب به رأس الملك عمرو بن هند، ونادى بني تغلب، فجاءوا وانتهبوا قصر الملك بالحيرة.

ودفع الملك حياته جزاء محاولته إذلال عمرو بن كلثوم، وهذا في الجاهلية.



لا شك أن الأمة التي تنشأ تحتاج إلى هذه الروح وهذه العزة مع توجيهها لله {مَنْ كَانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَللهِ العِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10].



لذلك كان قبول المسلمين في مكة بفكرة عدم القتال، وعدم رفع الظلم الواقع عليهم أشقَّ على نفوسهم من قبول فكرة الجهاد في سبيل الله، وبذل الروح في العهد المدني، لأنهم تعودوا على العزة ورفع الرأس، وعدم قبول الظلم، وهذه الصفات لا تنفك عن أولئك الذين يحملون أمانة هذه الأمة.


الصبر وقوة التحمل

الصبر وقوة التحملاكتسب العرب هذه الصفة من طبيعة بلادهم الجافة، وظروف المعيشة القاسية، وبُعدهم بصفة عامة عن الترف، فكانت هذه الصفة من الصفات العظيمة التي كفلت للدعوة النجاح، فلا بد من صبر لتحمل مشاق الرسالة الضخمة.



- صبر على الفقر، ولمدد طويلة.



- صبر على الجوع، فقد يحتاج إلى جهاد طويل، ولا يقيم صلبه سوى تمرات قليلة.



- صبر على المشقة والحرِّ والتعب والسفر الطويل، والحصار الأطول.



-صبر على القتال والنزال والجهاد.



- صبر حَتَّى على تأخر النصر، فلا يستعجل ولا يمل ولا يضجر.



ومن كانت هذه صفته، وكان بعيدًا عن الترف، كان دعامةً راسخةً للأمة الإسلاميّة.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty بيعة العقبة الثانية

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:09 pm

الأنصار في موسم الحج

مكة المكرمةجاء موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة يحمل الخير كله. خرج وفد يثرب للحج، وكان الوفد مكونًا من ثلاثمائة حاج وقيل خمسمائة، منهم خمسة وسبعون من المسلمين (ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان).



وجدير بالذكر أن معظم هؤلاء المسلمين لم يكونوا معروفين لغيرهم من المشركين، معنى ذلك أن دعوة مصعب بن عمير في يثرب، وإن كانت علنية في حماية أسعد بن زرارة لكن لم يكن كل من يؤمن يعلن إسلامه في هذه المرحلة؛ وذلك مراعاة لظروف المدينة التي يكثر بها المشركون في ذلك الوقت، ولوجود اليهود فيها؛ وذلك لضمان استمرار الدعوة إلى أقصى مدى، حتى تحين اللحظة المناسبة التي يعلن فيها المسلمون عن أنفسهم في وقت يستحيل فيه استئصالهم.



والدليل على أن غالب المسلمين كانوا لا يعلنون إسلامهم هو أن زعيم هذا الوفد في الحجيج وهو عبد الله بن أبي بن سلول -الذي أصبح بعد ذلك رأس المنافقين- لم يكن يدري عنهم شيئًا، ولما خاطبه أهل قريش بأن هناك مسلمين في وفده أقسم على غير ذلك، كان صادقًا في جهله بوجود المسلمين في وفده، بل صرح كعب بن مالك الأنصاري بذلك حيث قال وهو يصف أحداث بيعة العقبة الثانية: وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا. فانظر وتأمل إلى دقة وحذر واحتياط المسلمين وهم ليسوا بالعدد القليل.



وصل وفد يثرب إلى مكة، واستقروا بها، وأخذوا يرتبون إقامتهم هناك، وكانوا على موعد مع رسول الله منذ بيعة العقبة الأولى في العام السابق، والتي اشتملت على أمور عقائدية ومطالب أخلاقية كالبعد عن الزنا والسرقة، فكانت كلها تكليفات فردية، ولم يكن فيها أية مطالب بالنصرة واستضافة الرسول ، فضلاً عن حمايته، والقتال في سبيل ذلك لو تطلب الأمر، وذلك مراعاةً من النبي لقدرة الأنصار الاثني عشر المشاركين في البيعة الأولى، والتي مهما عظمت فهي محدودة، ولكن قبل أن نشاهد ماذا فعلوا في مكة، نريد أن نقف على ثلاثة مواقف مهمة قام بها الأنصار قبل أن يشاهدوا رسول الله .


من مواقف الأنصار قبل لقاء رسول الله
الموقف الأول

هو ما قاله جابر بن عبد الله وهو يصف كلام الأنصار وهم في المدينة قبل الخروج إلى مكة، يقول جابر فقلنا: حتى متى نترك رسول الله يُطرد في جبال مكة ويخاف؟! فرحل إليه منا ثلاثة وسبعون رجلاً.



وهذا يعني أن الأنصار كانوا قد عقدوا العزم على استضافة رسول الله وحمايته قبل أن يطلب ذلك منهم، وهذا يفسر الحمية العظيمة والثبات العجيب الذي سنراه بعد ذلك في بيعة العقبة الثانية، فالباحث عن الجهاد الراغب فيه المشتاق إليه شيء، والمطيع لأمر الجهاد إحراجًا أو رغبًا أو رهبًا شيء آخر، فالأنصار كانوا أنصارًا للدين بحق، لم يطلبوا لأنفسهم شيئًا قطُّ؛ لذا قال الله عنهم: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]. وهذه الآية تفسر كل مواقف الأنصار بعد ذلك، والتي لن تُفهم مواقف الأنصار إلا في ضوئها.


الموقف الثاني

حدث في الطريق إلى مكة، وهو حقًّا موقف عجيب، وهو قيام الأنصار بدعوة البراء بن معرور إلى الإسلام وكان سيدًا من سادتهم، فقبل الإسلام ، والأنصار بذلك يعلّمون المسلمين جميعًا درسًا لا ينسى، وهو أن الدعوة لا تتوقف مهما صعبت الظروف، فرغم مشقة السفر، ورغم الاحتياط والحذر، ورغم الاستقرار الخاص لمقابلة الرسول ، رغم كل ذلك لم يتوقف الأنصار عن دعوتهم إلى الله، وسبحان الله! سيموت البراء بن معرور بعد هذا الحدث بأقل من شهرين، وشتان بين موته كافرًا وبين موته أنصاريًّا مبايعًا على الجهاد، فانظر إلى قيمة الدعوة في حياة الناس.


الموقف الثالث

وهو أعجب، وهو دعوة عبد الله بن عمرو بن حرام -وهو من سادات يثرب أيضًا- إلى الإسلام، فقد تمت دعوته في مكة ذاتها، وهم يعدون العدة لهذا اللقاء السري المهم والخطير، والذي سيتم بينهم وبين رسول الله . ولكن من جديد، لا وجود لكلمة (الظروف) في الدعوة، نعم نأخذ حذرنا، وتتغير استراتيجيتنا، ونقدم شيئًا، ونؤخر شيئًا آخر، لكن الدعوة لا تتوقف.



ولعل اطمئنان الأنصار إلى دعوة عبد الله بن حرام ترجع إلى أنه والد جابر بن عبد الله، وهو من أوائل من أسلم من الأنصار (من الستة الذين أسلموا منذ عامين على يد رسول الله )، ولا شك أن جابرًا قد مهد لأبيه الإسلام قبل ذلك، ويعلم أن في قلبه ميلاً إليه. وقد كان عبد الله بن عمرو بن حرام رجلاً عظيمًا حقًّا، وقَبِل الإسلام كما قبله البراء بن معرور ، وسيظل عظيمًا وسيموت شهيدًا بعد أقل من ثلاث سنوات في غزوة أحد، بل سيحدث معه موقف عجيب، فإنه كما أخبر رسول الله كما روى الإمام مسلم عن جابر -رضي الله عنهما- أن الملائكة ما زالت تظلله بأجنحتها حتى رفعه المسلمون.



بل حدث معه ما هو أعظم من ذلك بكثير، فقد روى الترمذي وقال حسن، وروى الحاكم وقال صحيح عن جابر -رضي الله عنهما- أن رسول الله قال وهو يخاطب جابرًا: "أَفَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ؟" فَقَالَ جَابِرٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، تُحْيِينِي، فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ". قَالَ: وَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].



وتخيَّل، كيف الحال لو مات عبد الله بن عمرو بن حرام على شركه! كيف لو لم يصل إليه الأنصار بهذه الدعوة العظيمة! فانظر وتأمل إلى هذه النقلة الضخمة التي حدثت في حياة عبد الله بن عمرو بن حرام لما آمن بهذا الدين.


رسول الله يقابل الأنصار

نعود إلى الأنصار في مكة، فقد أرسلوا إلى رسول الله من رتب معه موعدًا لهذا اللقاء المهم، وكان من الضروري أن يقابل الرسول الأنصار جميعهم، ولا يكتفي بمقابلة النقباء عنهم حتى لا يذهب إلى المدينة ثم يفاجأ بأن بعض الأنصار غير موافقين على بعض بنود البيعة، أو غير موافقين على وجوده في المدينة أصلاً.



ولا نجد بين أيدينا روايات تذكر لقاء بين رسول الله وبين أحد الأنصار قبل بيعة العقبة الثانية إلا رواية واحدة فقط، تذكر لقاء بين البراء بن معرور وكعب بن مالك وبين رسول الله وذلك في حضور العباس عم رسول الله . ومن المحتمل أنه قد تم في هذا اللقاء تحديد ميعاد بيعة العقبة الثانية، وخاصة أن هذا تم في حضور العباس بن عبد المطلب، الذي شارك بعد ذلك في مباحثات العقبة الثانية، ولعل الأنصار قد أرسلوا البراء بن معرور؛ لأنه حديث الإسلام جدًّا، ولا يشك أحد من مشركي يثرب ولا مكة في إسلامه.


رسول الله يُؤَمِّن اللقاء

تم بالفعل تحديد الموعد، وكان موعدًا عجيبًا يثبت مدى دقة واحتياط رسول الله ، وأخذه بالأسباب إلى آخر مدى؛ فقد أخذ رسول الله بأسباب كثيرة بغية تأمين هذا اللقاء المحوريّ المهم:



أولاً: اختار رسول الله أن يكون اللقاء في آخر ليلة من ليالي الحج، وهي ليلة الثالث عشر من ذي الحجة، ومعنى هذا أن الحجاج سيعودون إلى بلادهم في اليوم التالي مباشرة، وبذلك يضيق الفرصة على مشركي قريش في متابعة الوفد الأنصاري أو مراقبته إذا شكوا في أمر اللقاء، وهو ما حدث بالفعل.



ثانيًا: اختار رسول الله أن يكون اللقاء في الثلث الأوسط من الليل، وهو وقت يغلب فيه أن يكون جميع الناس في مكة في نوم عميق؛ لأنه قد يتأخر نوم بعضهم إلى الثلث الأول من الليل قبل الفجر، أما الثلث الأوسط فغالب الظن أن أهل مكة والحجيج سيكونون في سبات عميق.



ثالثًا: اختار رسول الله مكانًا بعيدًا آمنًا، وهو الشعب الأيمن عند العقبة حتى يكون بعيدًا عن عيون المراقبين إن كان هناك مستيقظ.



رابعًا: تكتَّم رسول الله أمره تمامًا، فلم يخبر بهذا اللقاء إلا ثلاثة: عمه العباس بن عبد المطلب؛ لأنه سيكون مشاركًا في المباحثات كما سيأتي، ورجلين فقط من أهل مكة المؤمنين: أبا بكر الصديق ، وابن عمه عليًّا بن أبي طالب ، وأرادهما معه لتأمين المكان ومراقبة الطرق المؤدية إلى الشعب الذي سيتم فيه اللقاء. ولعله اختارهما بالذات؛ لأنه لو رآهما أحد معه فلا يشك في أمرهم؛ لأنه من الطبيعي جدًّا في مكة أن يشاهد رسول الله ومعه صديقه الحميم أبو بكر وابن عمه علي، ولم يخبر رسول الله بقية المؤمنين من أهل مكة بالميعاد؛ لأنه لا حاجة لهم ليعرفوا الوقت والمكان بل النتيجة فقط، وهذا ليس شكًّا في تكتمهم للأمر، ولكن حفاظًا على الأمن لأكبر درجة، وتحرزًا من أي خطأ أو نسيان أو غيره.



خامسًا: أمر رسول الله أيضًا الأنصار بتكتم الأمر حين الخروج لملاقاته، وقد فعل الأنصار ذلك بنجاح، يقول كعب بن مالك : فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ، نتسلل تسلل القطا مستخفين ( القطا هو طائر صغير يشبه الحمام). وكانوا يخرجون رجلاً رجلاً أو رجلين رجلين، حتى اكتمل من الأنصار ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان في الشعب، وجاء أيضًا رسول الله في موعده ومعه العباس بن عبد المطلب وأبو بكر وعلي، فأرسل أبا بكر إلى فم الشعب من ناحية، وعليًّا إلى فم الشعب من الناحية الأخرى؛ ليعطيا إشارة إلى المسلمين إذا شاهدا حركة مريبة أو مراقبة للمكان.



وتم اللقاء المهيب في هذه البقعة المباركة من أرض مكة، والذي كان من نتائجه أن تغيرت خريطة العالم بعد ذلك وقامت للإسلام دولة، وسقطت عروش عظيمة كعرشي كسرى وهرقل، واستقر دين الإسلام في الأرض.



وسبحان الله! أين كان أعداء الله وقت أن وقع هذا الاجتماع المهيب؟



أين كان أبو جهل والوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة وأبيّ بن خلف وبقية قادة قريش من المشركين؟



أين كان عبد الله بن أبي بن سلول زعيم مشركي يثرب، ثم زعيم المنافقين بعد ذلك؟



أين كان حييّ بن أخطب وكعب بن الأشرف وأحبار اليهود؟



أين كان كسرى فارس؟ وأين كان هرقل الروم؟



لقد كانوا جميعًا نائمين، لاهين، غافلين، ولكن الله لا تأخذه سنة ولا نوم، لا يسهو ولا يغفل، يدبر في خفاء، وفي حكمة، وفي لطف {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [فاطر: 44].



وبدأت مراسم المباحثات المهمة بل شديدة الأهمية.


العباس بن عبد المطلب يفتتح المباحثات

افتتح المباحثات العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ، والحق أن موقف العباس كان محيرًا، فالرجل كان معروفًا بحكمته من ناحية وبشجاعته من ناحية أخرى، ومع ذلك فإنه إلى هذه اللحظة لم يؤمن بعدُ، هو كما قال كعب بن مالك : وهو يومئذ على دين قومه. فهو وكأنه يقوم بدور أبي طالب بعد وفاة أبي طالب في حماية رسول الله مع عدم الإيمان به. ولكن من الواضح أنه مع شجاعته وقوة قبيلته لم يقف الوقفة الواجبة مع رسول الله ، بدليل أن الرسول دخل مكة بعد رحلة الطائف في جوار المطعم بن عدي وليس في جوار العباس، ولعله كان يخشى من أخيه الأكبر أبي لهب، ولكن كان المتوقع منه أن يكون له دور معلن.



ثم إنه -سبحان الله- حضر هذه المباحثات وهو ما زال مشركًا، وقال كلامًا يوحي أنه يقف إلى جوار الرسول بقوة، ومن الواضح أن الرسول قد جاء به ليؤدي دورًا سياسيًّا مهمًّا، وهو توضيح مكانة بني هاشم في مكة؛ ليعلم الأنصار أنهم إذا أرادوا أن يبايعوا رسول الله فعليهم أن يكونوا له في المنعة كأهله وعشيرته. وقد اختار الرسول عمه العباس للقيام بهذه المهمة -رغم شركه- ولم يحضر حمزة مثلاً؛ حتى لا يظن الأنصار أن حمزة جاء لأنه مسلم، أما حضور العباس فيدل على أن بني هاشم مسلمهم وكافرهم وراء رسول الله . وإضافةً إلى ذلك، فإن الرسول كان يطمئن إلى العباس تمامًا وكان يعامله كعمه أبي طالب، فهو يطلعه على سر من أخطر أسراره على الإطلاق.



وبعد ذلك سوف تمرّ الأيام وسيؤمن العباس بن عبد المطلب، ولكنه لن يعلن إيمانه ولن يهاجر إلا مؤخرًا، وستحدث بدر وسيخرج مع أهل بدر المشركين، وهو مستكره على الخروج، لكنه سيخرج على كل حال وسيؤسر وسيطلقه رسول الله لأنه مؤمن.



الواقع هذه علامات استفهام في حياة هذا الصحابي الجليل، لماذا لم يهاجر عندما آمن وأجلَّ ذلك أعوامًا؟ لماذا قَبِل أن يخرج مع الجيش المشرك في بدر؟ لماذا لم يعلن حمايته للرسول في مكة رغم إعلانه أنه مستعد لذلك؟ وذلك كما سنرى في كلامه الآن.



وهذا الذي يحيرني قد حيَّر من قبلي حفيده علي بن عبد الله بن عباس (وهو محدث ثقة)، فقد قال: وبعد بدر عاد العباس، وأقام بمكة ولا أدري لماذا أقام بها؟! وقال بعض العلماء: لعله أقام هناك لينقل الأخبار إلى رسول الله . ولكن لم يقم على ذلك دليل، وعلى كل حال فهو قد هاجر قبل فتح مكة، ورغم كل هذه التساؤلات فهو كان جليل القدر جدًّا عند رسول الله وعند المؤمنين، وقال في حقه رسول الله فيما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- بسند حسن: "الْعَبَّاسُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ". وفي مستدرك الحاكم بسند صحيح عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله كان يجلُّ العباس إجلال والده، وكان عمر يستسقي به إذا أصابهم قحط، وذلك بعد وفاة رسول الله .



خلاصة القول في هذه القضية أن العباس في يوم العقبة الثانية، ومع كونه مشركًا فإنه كان مأمون الجانب تمامًا، ويطمئن إليه رسول الله اطمئنان الولد لأبيه، مع أن العباس ولد قبل رسول الله بثلاث سنوات فقط.



قام العباس فافتتح المباحثات بهذه الكلمات، قال: يا معشر الخزرج (وكانت العرب تسمي أهل المدينة: أوسها وخزرجها بالخزرج وهي القبيلة الأكبر في يثرب) إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا لمن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفوه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده.


أدب الأنصار مع رسول الله

انتهت افتتاحية العباس بن عبد المطلب ، وكان الدور على الأنصار في الرد على كلام العباس، والحق أن الأنصار قد ردوا بأدب رفيع وإيمان عميق على كلام العباس ، لقد كان من الممكن أن يقولوا للعباس كيف تقول: إنه في عز وفي منعة، وهو في جوار المطعم بن عدي من بني نوفل، ولم يقف بجواره أحد من بني هاشم؟!



وكان من الممكن أن يقولوا: إن كنت تقف إلى جواره، فلماذا لم تعلن ذلك؟



وكان من الممكن أن يقولوا: إنك تقول إن رسول الله أبى إلا أن ينحاز إلينا، أفعل ذلك رسول الله وقد عرضتم عليه المنعة؟! أم فعله لأنه أوذي وضرب وظلم ورجم بالحجارة وسب وألقي التراب على رأسه وألقيت عليه رحم الشاة ولم تفعلوا له شيئًا؟! أين كنتم وهو يدور على القبائل واحدة واحدة وعلى مسمع منكم ومرأى يرفضونه الواحدة تلو الأخرى، وأنتم صامتون؟ بل إن عمه أبا لهب يسير خلفه وينفر الناس منه، يقول: لا تصدقوه، إنه صابئ كذاب!



كان من الممكن للأنصار أن يقولوا كل هذا الكلام وأكثر منه. كان من الممكن للأنصار أن يقولوا كل هذا الكلام، ويدخلوا في حوار جانبي عقيم مع العباس ، كان من الممكن أن يحدث كل ذلك لو كانت هذه المباحثات مباحثات سياسية بحتة، ولكن الأمر كان مختلفًا تمامًا عند الأنصار، لقد كانت هذه المباحثات عندهم مباحثات إيمانية قبل أن تكون سياسية، لم تكن المفاوضات في ذهن الأنصار عبارة عن عملية سياسية يريدون أن يحققوا فيها أكبر المصالح، وأن يستغلوا الظرف الحرج الواقع فيه رسول الله ، بل كانت على العكس تمامًا، لقد جاءوا إلى رسول الله ليكونوا أنصاره وليكونوا أتباعه وليكونوا طوع إرادته، جاءوا وهم يعلمون أن المنة والفضل لله ولرسوله، وأن العمل والبذل عليهم وعلى المسلمين جميعًا؛ لذلك أعرض الأنصار كُلِّيَّةً عن طرح العباس بن عبد المطلب، وقالوا له في أدب جمٍّ:



قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذْ لنفسك ولربك ما أحببت.



هنا يتكلم رسول الله ، فماذا قال؟ لقد قال كلامًا عجيبًا لا يفقهه إلا من أدرك طبيعة هذا الدين، وإلا من أدرك طبيعة هذا الرسول ، وإلا من أدرك طبيعة الأنصار، الرسول وهو في هذا الموقف الصعب الحرج، وقد ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وقد تهيأت له الفرصة ليذهب إلى بلد كريم مُضيف يعرض على الأنصار ما أراد منهم بصورة عجيبة، يعرض عليهم أمورًا شاقة عسيرة، لم يعرضها على أحدٍ آمن من قبلُ، ولعله لم يعرضها على أحد آمن بعد ذلك! كان من عادة رسول الله أن ييسر على الناس تمامًا أمر الإيمان، كان يقبل أن يقوم الرجل بالفرائض فقط ولا يؤدي النوافل، وكان الرسول يقول: "أفلح إن صدق"، بل كان يعطي الأموال يتألف قلوب الناس للإيمان، أما الآن -وفي هذا الموقف الحرج- فإنه يشترط شروطًا قاسية، ويفرض أمورًا شديدة، لم يفرضها حتى على الأنصار في بيعة العقبة الأولى، كل ذلك لأنه الآن لا يبني فردًا، بل يبني أمة.



هذه خطوة استراتيجية بالغة الخطورة، لا بد أن يتيقن من صحتها قبل الخوض فيها. الرجل إن كان ضعيفًا في إيمانه فذلك قد يعود عليه بالضرر، وهذا قد يقبل؛ لأن كل نفس بما كسبت رهينة، أما إن كان ضعف الإيمان سيعود على الأمة والمجتمع بالضرر، فهذا ما لا يقبل وما لا يقره الإسلام.



الآن بناءً على تقييم رسول الله لطبيعة الأنصار سيأخذ قرارًا هو الأخطر على الإطلاق في تاريخ الدعوة حتى الآن، وهو الهجرة إلى هذا البلد ومعاداة العالم أجمع، فإن كانوا أهلاً لهذه المسئولية الضخمة فبها ونعمت، وإن كانوا غير ذلك من الأولى أن يعرف ذلك من الآن؛ لذلك كله فإن رسول الله بدأ في سرد بنود البيعة العظيمة بيعة العقبة الثانية بكل صراحة دون أن يحاول أن يجمّل أو يلطف من أي نقطة.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قصة مكة Empty قواعد بناء الأمة الإسلامية

مُساهمة من طرف Admin الأحد أغسطس 15, 2010 2:10 pm

قواعد بناء الأمة الإسلاميّة

العلم وبناء الأممالأمة الإسلامية كالصرح العظيم والبناء الأشم، لا يقوم إلا على قواعد سليمة وأسس متينة، هذه الأسس مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله .



ونستطيع أن نلخص ما ذكرنا بخصوص الحكمة في اختيار هذا المكان -في المقالات السابقة- بالذات لنزول الرسالة، والمواصفات التي تحلَّى بها أهله، ويسرت نجاح الدعوة، والتي لو تكررت من جديد، فإن الأمة ستقوم بنفس المنهج، ونفس الطريقة ونفس النجاح إن شاء الله.



مع العلم طبعًا أن الحكمة الكاملة لا يعلمها إلا الله ، فإننا نستطيع أن نخرج بعشر قواعد لبناء الأمة الإسلاميّة.


القاعدة الأولى

لا بد أن تحافظ الأمة على نقاء رسالتها، ووحدة مصدرها، وعدم خلط القرآن والسنة بالمناهج الأخرى.


القاعدة الثانية

النصر من عند الله ، وقد جرت سنة الله على أن ينصر القلة المؤمنة على الكثرة المشركة.


القاعدة الثالثة

على المسلمين أن يستفيدوا من كل قانون موضوع ما لم يكن هناك تعارض مع الشرع والعقيدة الصحيحة، فإن حدث التعارض، يقدم كتاب الله وسنة رسوله .


القاعدة الرابعة

الجيل الذي يستطيع أن يبني هذه الأمة هو جيل يتقن العربيّة ويعظمها ويتعلم اللغات الأخرى، ولكن لا يقدمها على لغة القرآن.


القاعدة الخامسة

ابدأ بدعوة الأقرب فالأقرب، وأقرب الناس إلى الاستجابة هم المسلمون أنفسهم، فابدأ بهم.


القاعدة السادسة

لا تقوم الأمم إلا على أكتاف الصادقين.


القاعدة السابعة

ابدأ بالكريم فإنه أقدر على حمل الدعوة.


القاعدة الثامنة

إنّ الجبان قد يقتنع بقضية ما، ولكن لا يقوى قلبه على الدفاع عنها، فعليك بالشجاع.


القاعدة التاسعة

لا يحرص على قيام الأمة إلا عزيز النفس، من كان يرضى بالذل رضي أن يكون في ذيل الأمم.


القاعدة العاشرة

الترف مهلك، والمعتمد على المترفين كالذي يبني قصرًا من الرمال، فابحث على من كان الصبر صفته، ومن كانت المجاهدة حياته.



فتلك عشرة كاملة نجعلها نُصب أعيننا ونحن نبني أمتنا، والله المستعان.



د. راغب السرجاني
Admin
Admin
Admin
Admin

عدد المشاركات : 13407
البلد : هنـا .. في مكـاني
تاريخ التسجيل : 01/07/2010
المود : قصة مكة Innocent

http://www.shamsology.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 1 من اصل 3 1, 2, 3  الصفحة التالية

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى